free statistics معجــزة الكتاب الواحد | شبكة المدار نيوز
الخميس , 1 ديسمبر 2016
الرئيسية / الثقافية / معجــزة الكتاب الواحد
nom de ton image
15239374_1767840819908439_2088044466_n

معجــزة الكتاب الواحد

بقلم : المنصف بن فرج كاتب ومؤرخ نائب سابق بمجلس النواب

كان العرب في جاهليتهم، قبائل متناثرة في عرض الصحّراء’ لكل قبيلة لهجتها وثقافتها لا تجمع بينهم فلسفة أو قانون الفنّ.. إلاّ الشعر، الذي نبغوا فيه بحكم سجيتهم ونطق به الأميون منهم، بلا تدوين، لأنّ الكتابة كانت نادرة عندهم.
وظهر بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم، لا حول ولا قوّة إلا بالله ولا سلاح في يده إلا كتاب الله وبشرهم بالإسلام، وبين لهم الوعد والوعيد، والجنة التي تنتظر المؤمنين والنار التي تلهب الكافرين.
وفي عشرين سنة وما أقصرها في عمر الزّمن – وعلى صيحة : الله أكبر… تجمعت تلك القلوب المتنافرة في عرض الصّحراء، وزحفت على ملك الأكاسرة فاقتحمت تلك القلوب المتنافرة في عرض الصّحراء، وزحفت على ملك الأكاسرة فاقتحمته، وعلى ملك القياصرة فاجتاحته، وقامت الدّولة الإسلامية الكبرى لتترامى من أواسط آسيا شرقا، إلى شاطئ المحيط الأطلسي غربا، ولتحكم شعوبا ذات حضارات عريقة، وثقافات واسعة وألسنة متباينة.
كل هذا بسحر كتاب واحد هو “القرآن الكريم” ووجد لدى العرب وشعوبه المغلوبة على أمرها كتبا لا عهد لهم بها. وجدوا عندها فلسفة الإغريق، وقانون الرومان، وفنون الفراعنة. ووجدت الشعوب المغلوبة على أمرها في ذلك القرآن دعوة إلى التسامح وتحريضا على العلم…فأسلم منها من أسلم، وبقي على دينه من بقي…وظلت الحضارات قائمة لم يمسها العرب الفاتحون…بل لقد حدث العكس… إذ أقبلوا عليها دارسين باحثين متلهفين…حيث لبست ثقافة العالم ثوبا عربيا، وكانت الفترة ما بين القرنين التاسع والثالث عشر الميلاديين، العصر الذهبي للثقافة العربيّة.
وبعد ستين سنة من الهجرة (622 م) صنع العرب أول قطعة من العملة في تاريخهم، وأصبحت اللغة العربية هي اللغة الرسميّة الواسعة، وازدهرت ألوان الشعر فاختلفت عن لون الجاهلية، وبلغت الموسيقى ذروتها على أيديهم في الأندلس.
وأصبحت اللغة العربية هي “لغة الصالونات” وكان على أبناء هذه الشعوب أن يتحملوها إذا أرادوا أن يحصلوا على مناصب في الدّولة أو مكانة مرموقة في المجتمع، دون الإلتجاء إلى أولياء الله الصالحين؟
كل هذا…كان بفضل كتاب واحد، غلب سحر آلاف الكتب التي كانت بين أيديهم، إنه القرآن، وازداد إقناعهم به، بعد أن وجدوا بين آياته أن المسلمين سواسية، وأن لا فضل لعربي على أعجمي، ولا حرّ على أسود إلاّ بالتقوى.
وأسلموا وأصبح التونسي والأعجمي، ولا حرّ على أسود إلا بالتقوى. وأسلموا وأصبح التونسي والأعجمي والبربري والأندلسي إخوانا في الله…بسحر هذا الكتاب الواحد الذي لا يفرّق بين اثنين بسبب الجنس أو اللون.
وأصبح كتاب الله يتلى في بيوت الله واللسان العربي يعلو كل لسان واستبدل الناس من أبناء الشعوب المختلفة، أسماءهم الأعجمية القديمة بأسماء عربية، وكان الرومان قد ورثوا عن الإغريق فلسفتهم، وحفظوها، كما حفظها المسلمون منذ العصر البيزنطي، وكذلك الفرس، الذين طالما حاربوا الرومان كانوا قد عادوا بلادهم بعد تلك الحروب بالكثير من آثار الفكر الروماني.
وكانت كتب سقراط وأفلاطون وأرسطو تدرس بواسطة ترجماتها السريانية التي حفظ مترجموها أصول ذلك التراث الإنساني من الضياع.
ولم تستطع دولة الأمويين أن تستغل ذلك التراث الإنساني، وجاءت دولة العباسين لتنتقل مقر الخلافة من دمشق إلى بلاد الرافدين حيث أنها دولة تقدمية إذا ما قورنت بدولة الأمويين.
وأنشأ المنصور بغداد وجاءها الفرس بثقافتهم الموروثة والمنقولة ولفظوا بها بلسان مبين…وهو لسان الكتاب الواحد الذي جمع العرب على غاية واحدة ومهد لهم السبيل لإنشاء هذه الدّولة العريضة.
ثم جاء هرون الرشيد، بعصره الزاهر، ثم خلفه ولده المأمون، الذي كان واسع الأفق، محبا للبحث العلمي، حيث شجع الناس على دراسة فلسفة الإغريق وترجمة أعمال كبار فلاسفتها إلى العربية.
لقد اتسع في تلك الفترة ميدان التجارة مع العلم الخارجي فجاءت الثياب (القماش) من الصّين والتوابل من جزرالهند.
وفي تلك الفترة انتشر الإشعاع الثقافي في الدولة الواسعة التي أقبل مواطنوها في لهفة على ارتشاف العلوم، والسفر، وركوب البحار لم يسبق لها نظير في التاريخ…حيث تحولت المساجد من مجرد بيوت للعبادة إلى جامعات يحتشد فيها طلاب علوم الدنيا والدّين، ليدرسوا على أيادي أساتذة العقيدة والأخلاق والشريعة والفلسفة والطب والفلك والرّياضيات.
وظهرت لأوّل مرّة في تاريخ الإسلام أسماء مازال لها آثارها في ساحة العلم على المستوى العالمي، مثل الخوارزمي وابن سيناء والرازي والفرابي وابن رشد وغيرهم كثيرون…و لا تزال جامعات باريس ولندن وروما وبرلين تدرس آثار هؤلاء الأعلام في الفلسفة والرّياضيات. ولا ينكر الأوروبيون أنهم تلقوا فلسفة الإغريق القدامى، وكيمياءهم ورياضياتهم وفلكهم، لا عن طريق أصولها الإغريقية، بل عن طريق ترجماتها العربيّة الباقية، المنقولة من الترجمات اللاتينية.
لقد كان اهتمام الأستاذة العرب أشد ما يكون حرصا في مجال الرّياضيات، وذلك بعد أن اقتبسوا رقم “الصفر” من الهند فاستعانوا به في الترقيم، وأرسوا نظريات رائعة في الجبر وحساب المثلثات.
أما في ميدان الفلك كان هؤلاء الأساتذة أول من رصد الأبراج السماوية وحددها وأطلق عليها الأسماء التي نقلها الغرب والعمل بها إلى يومنا الحاضر. كما كان لهم فضل عظيم في ميدان الكيمياء.
هؤلاء الأساتذة العلماء كانوا أوّل من اهتدى إلى تحويل المعادن إلى ذهب حيث أثبتت البحوث العلمية أنها ممكنة عمليا رغم ضخامة تكاليفها بالوسائل الحالية.
لقد أنشأ الحاكم بأمر الله “قاعة العلم” التي كان يدرس فيها النحو والصرف والفقه والطب والفلسفة والفلك، وهرع إليها طلاب العلم من كل فج عميق.
وجاء المعر لدين الله فكان أعدل حكام الفاطميين…وقد أنشأ اسطولا من ستمائة سفينة تحولت بالتجارة والثقافة حول موانيء البحر الأبيض المتوسط حتى شاءت لغة الكتاب في تلك الشواطئ، ولا تزال لهجة سكان جزيرة مالطة حتى الآن تعد من اللهجات العربية الضعيفة… وكانت النقوش المطبوعة على العملة في جزيرة صقلية باللغة العربية.
وكانت جامعة نابولي التي أنشأت الامبراطور فريديريك الثاني، تعتمد في دراسة الفلسفة على اللغة العربية، والكتب العربية، وكان الإمبراطور نفسه يلبس الثياب العربية ويأخذ بالتقاليد العربية في شؤون حياته.
وقامت دولة العرب في الأندلس فازدهرت الثقافة العربية من أدب وموسيقى وشعر، وأينعت الفلسفة…ونهضت على يد العرب فلسفة أفلاطون التي كانت قد ماتت في موطنها منذ خمسة عشر قرنا، ثم انتعشت على يد شيخ الفلاسفة “ابن رشد”.
وهكذا حفظت لغة الكتاب، على مرّ التاريخ، ثقافات اليونان والرّومان والفرس، ولولا هذه اللغة، لذهب هذا التراث الإنساني بددا ولعبت به الرّياح. فسلاما وسجودا “للكتاب الواحد” القرآن الكريم.

Facebook Comments

عن هاجر عبيدي

شاهد أيضاً

%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%b2%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d8%a8%d8%af%d9%8a%d9%86_ousboui

محمد زين العابدين: أيام قرطاج السينمائية تغادر العاصمة

أكد وزير الشؤون الثقافية محمد زين العابدين أن دورة أيام قرطاج السينمائية المقبلة لن تكون ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي من إدارة الموقع