free statistics المسلم من سلم الناس من لسانه ويده – شبكة المدار نيوز
السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية / الثقافية / المسلم من سلم الناس من لسانه ويده
nom de ton image
15050482_1742989202393601_925060659_n

المسلم من سلم الناس من لسانه ويده

بقلم المنصف بن فرج كاتب ومؤرخ 

مما يتصل المسلم الحق من الأخلاق هو أن يكون المسلم منصفا لغيره، بيان ذلك أن ينصف الناس من نفسه فيعاملهم على أساس معاملتهم له وذلك على قاعدة الشعور المتبادل أو بعبارة العصر على قاعدة الديمقراطية في المعاملة، فانه ليس من المعقول في شيء أن يكون الإنسان أنانيا على نحو ينسى به غيره فتراه يؤثر نفسه بكل شيء حتى لكأنه يعيش وحده في هذه الحياة فيحتكر كل شيء لأجل منفعته ولا يعتبر في مفهومه مصلحة الآخرين . وهذه فردية متطرفة تخل بالتوازن العام للحياة، ولما كان هذا الخلق لئيما وممقوتا نصح النبي عليه السلام أبو الدرداء بقوله : ( أحسن مجاورة من جاورك، وأحبب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما ) فعلى المسلم إذن أن يخاف الله في غيره، ويتقي الناس وذلك بتوقيرهم واحترامهم وقضاء حوائجهم إن كان على ذلك قادرا، وبتنزيل كل أحد في المنزلة التي تليق به .
المسلم الحق هو الذي يسعى جاهدا مخلصا في إصلاح ذات البين مهما وجد إليه سبيلا . وحتى إذا تعذر إلتمس له أسبابه ودواعيه ولا يركن إلى قطيعة أو تشتيت بحجة أنه لم يجد وسيلة إلى الإصلاح ولهذا يدعو النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : (أفضل الصدقة إصلاح ذات البين ) ومن هذا القبيل قوله عليه السلام : ( ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا ) وهذا يدل على وجوب الإصلاح بين الناس لأن إصلاح ذات البين يزيل الفتن، وإزالة الفتن تمحق الفساد، ومحق الفساد يجلب الهناء ويبعث على المودة والصفاء وبذلك تتصفى القلوب من أدرانها، وتتطهر الصدور من أحقادها، وعندها يذهب الشر وإذا ذهب الشر سعدت البشرية .
ومما يتصل باصلاح ذات البين الذي هو شرط أساسي لنزع الشر من الصدور أن يكون المسلم مدركا لذات أخيه المسلم ومقدرا لشأنه ناظرا له بعين التجلة والإحترام، يفهم ظروفه ويحترم شعوره، فلا يتجسس عليه ولا يضايق أنفاسه ولا يحصى عليه أموره وذلك بتتبع عوراته وبمراقبة الأمر الذي يخصه، لا ينبزه ولا يستصغر شأنه، ولا يسمح لنفسه بالتجسس على غيره من المسلمين، وحتى إذا رأى شيئا من شأنه أن يكون مريبا فالواجب أن يستر على أخيه المسلم . قال عليه السلام : ( من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة ) وقال : ( لا يرى المؤمن من أخيه عورة فيسترها عليه إلا دخل الجنة ) وقال : ( يا معشر المسلمين من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه لا تغتابوا الناس ولا تتبعوا عوراتهم فانه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو كان في جوف بيته ) .
على أن هذا لا يمنع المسلم الحق من القيام بواجبه نحو أخيه المسلم، وذلك بأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، على شرط أن يكون قادرا على ذلك، ويتعين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المسلم عندما يرى على أخيه بوادر الإنحراف تضل به عن الجادة وعن السبيل السوي، عندها يصدع بالحق ولكنه لا يقول شيئا إلا في منطق الحق، والحق يحتم على صاحبه أن يكون منهجيا في قوله، سديدا في نصائحه لا يعتبر في ذلك إلا وجه الله، ومن هنا تتضح الحكمة من نهي الإسلام عن التدخل في شؤون الغير إلا إذا اقتضت المصلحة وكانت المصلحة تستهدف الحسنى والخير والحق للجميع .
وإذا كان المسلم مأمورا يستر أخيه فانه مطالب أيضا بصيانة عرضه ونفسه وماله، آية ذلك أنه يحفظه من الضياع فلا يترك أحدا ينتهك حرمته ويسلط عليه ظلمه وفجوره، فيحول بينه وبين الإستعباد والإستعمار حتى لا يكون فريسة لظلم الظالمين واستبداد المستبدين، يدافع عنه، ويرد عنه الكيد، ويناضل دونه، وينصره فان ذلك يجب عليه بمقتضى أخوة الإسلام . وفي الحديث عن الرسول عليه السلام ( ما من امرء مسلم ينصر مسلما في موضع ينتهك فيه عرضه ويستحل حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصره … وما من امرء خذل مسلما في موطن تنتهك فيه حرمته إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصرته ) .
المسلم الحق هو الذي يخالط الضعفاء، ويتصل بالمساكين، ويحسن إلى اليتامى وذلك بالإطلاع على أحوالهـــم ومباشرة شؤونهم اقتـــداء بخاتم النبيين وسيـد المرسلين لأنه كان يقول : ( اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا وأحشرني في زمرة المساكين ) وقد روي أن سليمان عليه السلام في ملكه كان إذا دخل المسجد فرأى مسكينا جلس إليه وقال : ( مسكين جالس مسكينا ) وقال عليه السلام : ( من ضم يتيما حتى يستغني فقد وجبت له الجنة ) وقال : ( من وضع يده على رأس يتيم ترحما كانت له بكل شعرة تمر عليها يده حسنة ) وقال : ( خير بيت من المسلمين، بيت فيه يتيم يحسن إليه وشر بيت من بيوت المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه ) إن البر باليتامى والمساكين معروف لله، ومن أجل ذلك ما فتئ أصحاب المشاعر الطيبة والنفوس الحساسة يبذلون أقصى ما عندهم من البر في سبيل هذا الواجب المقدس الذي حثنا الله عليه .
وأي تضامن اجتماعي أسمى وأزكى من هذا التضامن الذي يعرج بالإنسان إلى المستوى الإنساني الرفيع، فيخلق منه القلب الطيب النبيل والروح الحساسة الشاعرة بمشاكل الآخرين، إذ البر بالضعفاء يربي النفوس على الإيمان بالإنسان كما يسمو بها عن الأنانية العرجاء ويحول بينها وبين الإنكماش الذي يجعل من صاحبه صلبا يابسا لا يفكر إلا في نفسه .
نقول هذا تلبية لتلك الروح التي تجري في عروقنا وتمشي في دمائنا واستجابة وجدانية قلبية لتوجيهات الرسول الكريم حيث قال في هذه الشؤون ما ينير السبل ويفتح الطرق ويملأ القلوب رحمة وحنانا وبرا واحسانا، تأمل هذه النفحات النبوية فسترى فيها ما يبهج قلبك أنسا ورشدا ويملأ روحك حقا وعدلا ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه (( من أقر عين مؤمن أقر عينه يوم القيامة ) ( من فرج عن مؤمن مغموم أو أعان مظلوما غفر له ) ( إن من أحب الأعمال إلى الله إدخال السرور على قلب المؤمن وان يفــــرج عنه غما أو يقضي عنه دينـــه، أو يطعمه من جوع ) .

Facebook Comments

عن هاجر عبيدي

شاهد أيضاً

sans-titre

في الذكرى الثانية عشرة لوفاة الأستاذ المناضل محمود المسعدي وعي نضالي مبكر ونشاط أدبي نقابي مكثف

بقلم المنصف بن فرج يتأكد يوما بعد يوم ما تزخره تونس المعاصرة والحديثة من طاقات ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *