free statistics الأمـــــة … والشعــــــب | شبكة المدار نيوز
الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية / الثقافية / الأمـــــة … والشعــــــب
nom de ton image
14937794_1733504300008758_1722708429_n

الأمـــــة … والشعــــــب

بقلم المنصف بن فرج قنصل عام سابق ونائب رئيس جمعيّة البرلمانيين التونسيين  

نحن نعيش الآن في عصر العلم، هذا العصر الذي أشعت فيه المعرفة الإنسانية وتعمقت وشملت كافة ميادين الحياة، وأخذ العلم يسيطر على قوى الطبيعة ويخضعها لخدمة الإنسان وفي نفس الوقت أخذت حياة البشر المادية والفكرية تصطبغ بالصبغة العلمية وأخذت أساليب التفكير والكلام تتبع الطرق العلمية المنظمة، ومع بداية هذه المرحلة نريد فيها أن ننهض فكريا واجتماعيا واقتصاديا ونبني مجتمعا جديدا متطورا مسايرا لروح العصر على أساس من معطيات الماضي والحاضر وآمال المستقبل، في هذا الوقت بالذات ضروري أن نتخلى عن الأساليب القديمة في التفكير والكلام التي قد تجافي العلم والطريقة العلمية وتؤدي بنا إلى خلط كثير في المفاهيم والأفكار والإتجاهات في ظرف نحن أحوج ما نكون فيه إلى أن نحدد بالضبط ماذا نريد أن نقول وماذا نريد أن نعمل وإلى أين نحن سائرون .
ومما هو جدير بالملاحظة أن الكثيرين منا لا يزاولوا يستعملون وربما عن حسن نية بعض الكلمات ذات الأثر البعيد بالنسبة لكياننا الوطني في معاني غير محددة تحديدا دقيقا ولا واضحة المفاهيم . فقد يستعملون كلمتين في معنى واحد مع ما بينهما من فرق واضح المعالم، ولا شك أن هذا مظهر من مظاهر السطحية في التفكير والإضطراب في التعبير الذي نتج عن المرحلة الإنتقالية التي نجتازها في هذه البقعة من الأرض . ومن بين الكلمات التي ترد كثيرا على ألسنة الناس في الأحاديث والخطب والكتابات ويقع فيها كثير من الخلط وسوء الإستعمال كلمتا ” الأمة ” و ” الشعب ” .
ولا أريد هنا أن أتعرض إلى هاتين الكلمتين من حيث الإستعمال اللغوي البحت لأن ذلـــك لا يفيدنا كثيرا في هذا المجال . كما أعتقد أن اللغة ظاهرة اجتماعية متطورة بتطور المجتمع البشري، ولذلك تتغير مفاهيم الكلمات من عصر إلى آخر، وقد تتحدد معاني بعض الكلمات التي كنا نظنها عامة مترادفة، ولا شك أنه لو بعث واحد من عرب الجاهلية لأخذته الدهشة والإستغراب من استعمال بعض الكلمات العربية في العصر الحديث في معاني لم تكن تخطر له على بال .
فماهو معنى الأمة ؟ وما هو معنى الشعب حسب المدلول العلمي الحديث ؟
إن علم الأثنوغرافيا الجديد يجيبنا على هذا السؤال في كثير من الوضوح والتحديد النسبيين. ونسارع الآن إلى القول بأن تحديد كلمة الأمة والشعب من الوجهة الأثنوغرافية لا تعني حدا جامعا مانعا ينطبق في كل زمان ومكان . ذلك أن العلوم الإجتماعية والإنسانية بوجه عام لم تصل بعد إلى وضع قواعد ثابتة واستنباط قوانين مضبوطة مثل العلوم الرياضية والطبيعية . والسبب في ذلك أن الظواهر الإجتماعية لا تخضع للتجربة العلمية الدقيقة مثل الظواهر الطبيعية بسبب تعقد الحياة الإنسانية وتشابك مكوناتها ورجوع الكثير منها إلى عوامل خفية متغلغلة في أعماق النفس البشرية البعيدة ومع ذلك يمكن القول أنه توجد هناك صفات عامة إذا وجدت كلها أو معظمها لدى مجموعة من البشر كونت منها أمة تختلف عن غيرها من الأمم في هذه الصفات . فالأمة على هذا الأساس هي مجموعة من الناس أثرت فيهم عوامل متماثلة وجمعت بينهم عناصر متشابهة غرست فيهم الشعور بأنهم أمة واحدة، وهذا ما يسمى بالشعور القومي .
أما هذه العوامل أو العناصر التي تكون الأمة وتوحد الشعور بين أفرادها فهي كثيرة وجرى فيها كثير من النقاش بين الباحثين والمفكرين منذ سنوات طويلة وكان هذا النقاش بين الباحثين والمفكرين منذ سنوات طويلة وكان هذا النقاش يدور في الغالب حول الأولوية بين هذه العناصر، وما هو العنصر الأكثر أهمية في تكوين الأمة . ومن خلال هذا النقاش يتبين بقطع النظر عن الأولوية أن هذه العوامل ترجع في مجموعها إلى : اللغة والتراث الحضاري والإرادة المشتركة والوضع الجغرافي والمصالح الإقتصادية وأخيرا العرق أو الجنس. إن كل هذه العوامل تتدخل بمقادير متفاوتة في تكوين الأمة، ويختلف مقدار تأثير أي عامل منها باختلاف ظروف كل أمة من الأمم . فاللغة التي هي في الحقيقة أفكار متحركة تلعب دورا قد يكون أوليا كما هو الحال في الأمة العربية . في الجمع بين أفراد الأمة وتوحيد مشاعرهم . وكذلك التراث الحضاري الذي يشمل التاريخ المشترك واعتناق الدين الواحد وتشابه المثل العليا والعادات يكون بين الأفراد لحمة متينة ورغبة عميقة في استئناف الماضي الموحد وتجديده، ولا شك أن البيئة الجغرافية المتصلة المتشابهة بما تقدمه من معطيات مادية وبتأثيرها على أمزجة الناس وأساليب عيشهم تشكل عاملا مساعدا في تكوين الأمة، مثلها في ذلك مثل المصالح الإقتصادية المشتركة التي توجد بين الناس نوعا من الوحدة في الأهداف والآمال والشعور بالمصير المشترك . وأخيرا يشكل إعتقاد مجموعة من الناس بأنهم ينحدرون من سلالة واحدة ولو كان ذلك غير صحيح من الناحية الواقعية، عاملا مساعدا أيضا في شعورهم بالتضامن . ويوجد بينهم نوعا من الإنسجام والطابع الحضاري الموحد. فاذا اجتمعت هذه العناصر لدى فئة من الناس نتج عنها العنصر الأخير الهام وهو الإرادة المشتركة في تكوين الوحدة القومية والرغبة الملحة في التكتل وجمع الشمل في كيان واحد .
إن كل عنصر من عناصر تكوين الأمة هو عنصر موضوعي تتجلى أهميته وأولويته من خلال دراسة واقع الأمة وبنية حياتها . فوحدة أمة من الأمم قد يصبح ثانويا بالنسبة لأمة أخرى تختلف عنها في الواقع وبالبنية . فالأمة الألمانية مثلا كان العنصر الهام في وحدتها القومية هو العرق الجرماني . أما الأمة الفرنسية فقد كان العنصر الأول في وحدتها هو الإرادة والمشيئة المشتركة . وأما في أمريكا ( الولايات المتحدة ) فان العامل الأول في تكوين الأمة لديها هو المصالح الإقتصادية بالإضافة إلى الوضع الجغرافي الخاص . وإذا نظرنا أخيرا إلى الأمة العربية نلاحظ أن عنصري اللغة والتراث الحضاري يلعبان الدور الأول في تكوين وحدتها القومية . وليس معنى هذا أن بقية العوامل ضئيلة الأثر في تكوين الأمة في الأمثلة السابقة، بل أن كل العناصر من لغة وتراث حضاري ووضع جغرافي واقتصادي وإرادة وجنس تتفاعل تفاعلا انسانيا حيا لتنتج ما يسمى بالأمة . فهي عناصر مشتركة بين كل الأمم وإنما تختلف قيمة كل منها ونسبة كل واحد إلى الآخر باختلاف الأمة التي تظهر فيها، وذلك ما يميز الأمم عن بعضها البعض .

Facebook Comments

عن هاجر عبيدي

شاهد أيضاً

15241997_1804379623177219_3933364667058063978_n

وزارة الثقافة: آمال موسى مديرة الدورة 53 لمهرجان قرطاج الدولي

أعلنت وزارة الشؤون الثقافية في بلاغ لها أنه تم تعيين الشاعرة والجامعية أمال موسى مديرة ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي من إدارة الموقع