free statistics العلاقات التونسية المغربية عبر مراحل التاريخ “الحلقة الأولى” – شبكة المدار نيوز
الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية / الثقافية / العلاقات التونسية المغربية عبر مراحل التاريخ “الحلقة الأولى”
nom de ton image
14804882_1718907018135153_1843809374_n

العلاقات التونسية المغربية عبر مراحل التاريخ “الحلقة الأولى”

بقلم المنصف بن فرج قنصل عام سابق ونائب جمعية البرلمانيين التونسيين

إن من يتتبع حلقات تاريخ شعوب شمال افريقيا ابتداء من العصور القديمة إلى العصر الحديث ليجد شبها وتطابقا وتجانسا في كافة المجالات بالإضافة إلى التطابق العرفي والمظاهر الطبيعية التي زادت في توثيق عرى الأخوة بين شعوب تلك المنطقة وأكدت بينها وحدة المصير . وإن ما بين تونس والمغرب تشابه كبير وتوافق هو نتيجة طبيعية لروابط ساهم في بنائها علماء ومفكرون مما جمع الشعبين في صعيد حضاري واحد بلغ أحيانا من القوة والتلاحم ما جعله يشع معرفة وحضارة على عدد من أقطار البحر الأبيض المتوسط، وقد عمل الإسلام على تفجير طاقات أبناء الشعبين الإبداعية في شتى ضروب الثقافة . وكان التلاحم الثقافي في أبهى صورة في العصور الوسطى وأروع مثال لذلك رحلة بن خلدون إلى المغرب في منتصف القرن الرابع عشر ميلاديا حيث كانت له لقاءات عملية وأدبية مع علمائها أمثال ابن عبد الله محمد المقرى قاضي فاس، وكذلك رحلة ابن بطوطة إلى تونس في عهد الحفصيين .
منذ اشعاع نور الإسلام وانبثاق فجره الأول، وهو مرتبط الأواصر، ملتحم الوشائح، متين الأخوة والعلاقات، سواء منها السياسية أو الإقتصادية أو الثقافية . فبعد ما استقر الإسلام بربوع المغربين : ( الأقصى والأوسط ) بالفتح الإدريسي سنة 172 هـ 788 م وانتشر في أطرافها، أمت المغرب أيام المولى ادريس الأنور ابن الفاتح الأكبر، بدافع الإسهام في تثبيت الوحدة العربية، وتركيز أسس القومية تحت شعار الإسلام الغض الطري، وتوسيع نطاق الرقعة الإسلامية وتمديد ديمقراطيتها الحق، ونشر مبادئها التحريرية في أطراف البلاد، وذلك ما كان له الأثر الحميد في نفوس أبناء المغرب، إذ قووا بهم، وارتفعت معنوياتهم، وأنس المولى ادريس برجالهم الأكفاء من قيس وأزد ومذحج وغيرهم ممن قصدوا المغرب من القيروان والأندلس، مستعينا بهم في وضع بنود الدولة وتقعيد مرافقها على أسس اسلامية انسانية . وقد اختار لذلك وزراء وقضاة وكتابا : فاستوزر عمير بن مصعب الأزدى الملجوم، الذي كان من فرسان العرب وأبطالهم، كما استقضى عامر بن محمد القيسي – تلميذ مالك وسفيان الثورى واستكتب أبا الحسن عبد الله الخزرجي . وهكذا اختار لدولته ذوي الآراء النيرة لتسيير دواليب الحكومة الفتية الجديدة، مما جعل أبناء المغرب وأبناء القيروان يعملون على النهوض بهذا البلد العزيز وبعثه بعثا جديدا .
تأسيــس مدينــــة فـــــــاس
وبعد ما ضاقت دليلي العاصمة الأولى للدولة الإدريسية الفاتحة بالخاصة والوافدين من القيروان والأندلس، فكر المولى ادريس – رحمه الله – في تأسيس مدينة تفى بمرغوبه، فكلف وزيره ابن مصعب الأزدى باختيار مكان يصلح لتأسيس مدينة تحقق مطامحه، وفعلا خرج الوزير الأزدى للغاية يبحث عن الضالة المنشودة، فلم يقع اختياره إلا على بقعة فاس، وللحين صدر الأمر عن ابن الرسول بالتأسيس، واقتضى الحال آنذاك أن تشتمل البقعة على بقعتين من الأرض أطلق على الأولى اسم عدوة القرويين ليتمكن الوفود القادمة من القيروان السكن بها وعلى الثانية اسم أرض الأندلس . وبطبيعة هذا التقسيم أصبح أبناء القيروان أخوة لأبناء المغرب الأقصى، تجمعهم روابط الدين واللغة والطبيعة والجغرافية، إذ المغرب من ناحية ترابه متصل الحلقات بحكم جبال الأطلس، حيث يمتد الصحراوي الكبير منها إلى الجمهورية التونسية، وفيها يعرف ذلك القسم منه بجبال زغوان . والأطلس الكبير الشامخ والذي يطلق عليه جبل العياشي الذي يتراوح علو قمته ما بين 3000 و 4000 متر .
جامعــــة القروييـــن
وتلكم جامعة القرويين الفاخرة التي تعد في أوج المكارم وأسمى المزايا الكبرى التي قدمها أبناء القيروان إلى أشقائهم المغاربية، فقد علمنا تاريخيا أن المؤسس لها هي فاطمة بنت محمد الفهري أم البنين، وكان ذلك من مال حلال ورثته من زوجها وإخوتها . ومنذ يوم الشروع في تأسيسها وهي تصوم قربانا لله تعالى، إلى أن تم بناء المسجد وصلت فيه شكرا لربها .
وكان لتلك الجامعة القروية العتيقة الأثر الحميد على الثقافة العربية والإسلامية لا على المغرب فقط، بل على أقطار كثيرة أخرى، وإن دل هذا على شيء فانما يدل على حسن نية المؤسسة الأولى وإخلاصها العمل لله وحده، حتى أدت هذه الجامعة الفاخرة رسالتها، إذ كانت محط رواد الثقافة والمعرفة على اختلاف علومها وفنونها دينية ولسانية ورياضية وقد عثر فيما عثر عليه من ذخائر الدفاتر العلمية بها على كتاب كتب باللغة اللاتينية عرف بـ ” تتليف ” .
ثم هذه أخت المؤسسة فاطمة القيروانية وهي مريم الفهرية التونسية تتقدم بعمل ديني وجليل منافسة أختها، فتؤسس مسجد جامع الأندلس في نفس السنة بقطعة أرض أخرى، وإليه نقلت خطبة جامع الإشراف سنة 321 هـ ويعرف الآن بجامع الأنوار . وكان هذان المسجدان آتيين لماعتين في البهاء والعظمة، قد علتهما مسحة العزة الدينية ومهابة الإيمان منذ التأسيس إلى عصرنا هذا .
أبو عمران الفاسي وعبد الله بن ياسين
لم تنحصر الروابط الأخوية والدينية والثقافية تقف في الميدان الثقافي فقط، بل تسلسلت حلقاتها العلمية، وامتدت أواصرها في كل الأطوار التي اجتازها كل من البلدين الشقيقين . فالتاريخ ينسى أزمة القرن الخامس الهجري الذي مر المغرب الأقصى فيها بحياة جافة قاحلة كانت الأمية البغيضة تلعب أدوارها المؤلمة في دواخله الصحراوية وما جاورها . حيث أن يحي بن ابراهيم الكدالي عندما توجه إلى الحجاز قصد أداء فريضة الحج ولدى عودته عرج على القيروان، فوجدها مزدهرة بالعلم والعلماء، وحضر أيام مقامه دروس أبى عمران الفاسي، وفي تلك اللحظات استحضر في تأثر حالة بلاده، وما كانت تعيش عليه بعض جهاته من جهل وأمية، فتقدم في غير أحجام وبحافز الإيمان والغيرة على أبناء بلدته إلى الشيخ أبي عمران يشرح له الحالة، طالبا منه أن يبعث معه أحد طلبته إلى المغرب ليلقن أبناءه ما هم في حاجة إليه، وإذا تأثر الشيخ لحكاية الرجل دله على أحد تلاميذه الذين أخذوا عنه بالقيروان . ولم يكن ذلك التلميذ سوى واجاج ابن زاو الذي كانت له مدرسة بالسوس الأقصى في ناحية تزنيت، فشكره يحي الكدالى، ورحل عائدا إلى المغرب، وبعد وصوله اتصل بالشيخ واجاج في مدرسته، وقص عليه ما جرى بينه وبين شيخه أبى عمران، وبلغه رسالته، فرحب بها الشيخ واجاج، وحينما عرض هذا الفكرة على طلبته وتلاميذه، فشق عليهم الخروج معه إلى الصحراء ما عدا واحدا هو عبد الله بن ياسين، فانه انتدب لذلك ولبى الرغبة، وخرج مرافقا يحي، وأخذ عبد الله ابن ياسين في تلقين أبناء الشعب المغربي مبادئ الإسلام، غير أن الرجل كان كما قيل شديدا في تعليمه شديد على متعلميه .
ورغم ذلك فقد تنورت به عدة أفكار، وازدهر حقل الوسط الصحراوي بالمبادئ الثابتة، وما ذلك إلا من تكل الإشعاعة الوضاءة التي امتد نورها من ربوع القيروان الفيحاء إلى المغرب الشقيق .
ولو لم يكن من آثار القيروان إلا مدرسة واجاج الذي تكون بالقطر التونسي الشقيق لكفى رابطة ثقافية خلدت مع الزمان، تسجل للقطر التونسي العزيز بمداد الفخر والإكبار أضف إلى هذا أن عبد الله بن ياسين، خريج المدرسة الوجاجية السوسية، قد عد زعيم دولة المرابطين القوية ومؤسسها، بقطع النظر عن معارفه العلمية، وثقافته الدينية، وجده اصادق، علاوة على أن الرجل سقط شهيدا في الدفاع عن الإسلام أثناء معاركه مع البورغواطيين بساحة كريفلة قرب زعير، وبها ضريحه – إلى يومنا الحاضر .
وقد عاش التوأمتان تونس والمغرب أي مدينتي فاس والقيروان في عصر الدولة الموحدية جنبا لجنب تسوسها دولة واحدة، دولة الناصر لدين الله الذي افتتح المهدية عنوة سنة 1205 الموافق 602 هـ حيث قضى على الثائــــر ابن غانية . ثم عاد إلى تونس، وأقــام بها بقية السنة ورجع بعدها إلى المغرب . وترك عليها أحد مساعديه، أبا محمد عبد الواحد بن أبى حفص الهنتاتي ( جد الدولة الحفصية ) في تونس المتفرعة عن الدولة الموحدية بالمغرب التي اتصلت امبراطوريتها ببرقة، من ليبيا الشقيقة . واستمرت العلاقات المغربية بين تونس والمغرب من العصور المتحدث عنها إلا فترات طبيعية تصيب بعض الدول لا تكاد تؤثر في جوهر الأمة .

Facebook Comments

عن هاجر عبيدي

شاهد أيضاً

sans-titre

في الذكرى الثانية عشرة لوفاة الأستاذ المناضل محمود المسعدي وعي نضالي مبكر ونشاط أدبي نقابي مكثف

بقلم المنصف بن فرج يتأكد يوما بعد يوم ما تزخره تونس المعاصرة والحديثة من طاقات ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *