free statistics في الذكرى الـ 45 لوفاة عبد العزيز العروي… ما حكاية العبارة الشعبية المتداولة (اشكي للعروي) – شبكة المدار نيوز
الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية / غير مصنف / في الذكرى الـ 45 لوفاة عبد العزيز العروي… ما حكاية العبارة الشعبية المتداولة (اشكي للعروي)
nom de ton image
14804914_1716309265061595_1570618778_n

في الذكرى الـ 45 لوفاة عبد العزيز العروي… ما حكاية العبارة الشعبية المتداولة (اشكي للعروي)

بقلم: المنصف بن فرج مؤلف كتاب ملحمة النضال التونسي

كنت أنا وأترابي، في أواخر الستينات من القرن العشرين شبابا صغارا، وكنا من حين إلى آخر نستمع إلى قولة يتداولها الناس، مازالت ترن إلى اليوم في الآذان، وهي رد يقوم به أحد إذا اشتكى إليه صديق أو قريب من ظلم أو إقصاء أو تهميش لحقه أو غبن أصابه: ” اشكي للعروي” وهي عبارة شعبية كانت تدور على الألسن لما كان يتمتع بها أحد رجال الثقافة والإعلام في الإذاعة الوطنية، آنذاك، المرحوم عبد العزيز العروي.
فمن هو هذا الرجل الإعلامي القدير الذي كان الكثير من أفراد الشعب يحتمون به ويلتجئون إليه كلما أصابتهم مصيبة أو لحقهم مكروه؟ وما هي مراحل حياته؟ وأشهر إبداعاته في الصحافة والإذاعة وفي المجال الثقافي عموما؟

ولد المرحوم عبد العزيز العروي في مدينة المنستير يوم السابع عشر من ديسمبر سنة 1898 وبها زاول تعليمه الابتدائي إلى أن تحصل على الشهادة الابتدائية سنة 1912، فاضطر إلى أن ينتقل إلى تونس العاصمة ليواصل دراسته الثانوية بالمدرسة الصادقية ، وهي معقل العلم والوطنية والحداثة والتنوير ، إلا أن التلميذ عبد العزيز لم يستطع مواصلة الدراسة هناك أكثر من ثلاث سنوات بعد حصوله على شهادة البروفاي سنة 1916، لما اتصف به من تهريج وعدم انضباط ، والتحق بالحياة المهنية، فاشتغل كاتبا في العاصمة ثم في بعض الولايات داخل البلاد، وهي ما كانت تسمى بالقيادات، مثل النفيضة وتالة وسوق الخميس (بوسالم حاليا) وذلك خلال سنة 1923، حيث ولع بحسناء من أعيان المدينة، فاشتهر أمره، ووقعت نقلته إلى جربة سنة 1924 ، في القيادة (الولاية)، ولكنه شعر بضيق وأحس بالبعد عن العاصمة وأجواء الثقافة فيها وهوايته “الصحفية” ، فقدم استقالته ورجع إلى تونس العاصمة، حيث اتصل بالأستاذ حسن القلاتي المحامي ليعمل لديه كاتبا وقد كان هذا الأخير مديرا لجريدة النهضة ، فانتدب العروي لتغطية بعض الأخبار والشؤون الاجتماعية بصحيفته، ولكن سعايات الشاذلي القسطلي أغضبت الفتى الشاب الثائر بطبعه فغادر عمله في تلك الجريدة ومع ذلك المحامي حسن القلاتي، وقد كان ذلك سنة 1928، وتعرف على الفنانة (نسرية فراز) لعدة سنوات، حتى كانت سنة 1930 التي بدأ فيها حياة النجاح في المقالات الصحفية ، باللغة الفرنسية في بعض الجرائد، منها أولا جريدة Tunis- socialiste تونس الاشتراكية حيث كتب فيها أول مقال له بتاريخ 21 ماي سنة 1930 سخط فيه على السلط الاستعمارية وقدح في سلوك الباي بمناسبة إقامة المؤتمر الأفخرستي ، وأبرز فيه عن جرأة ووطنية عالية، وفي سنة 1930 كذلك، أصدر عبد العزيز العروي جريدته الساخرة الضاحكة ذات النزعة التهكمية Le croissant (الهلال)، على غرار جريدة سابقة كان عنوانها Le chameau (الجمل) ، وفيها دافع عن المرحوم الطاهر الحداد ضد خصومه الرجعيين إثر صدور كتابه “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” ولكن تجربة العروي الصحفية في إصدار الجريدة ، لم تعمر أكثر من ثلاثة أشهر ونصف، ظهر منها

ثلاثة عشرة عددا ، ووقع إيقافها وحكمت السلطات القضائية على العروي بسنة سجن مؤجلة وبغرامة مالية وهكذا وجد الرجل نفسه ضائعا، عاطلا عن كل عمل إلا انه استطاع أن يكون أحد مؤسسي مدرسة أدبية اعلامية فنية اتخذت لها باب سويقة حيا ومقهى الحاج علي مقرا، وسميت بمقهى “تحت السور” فصار الجماعة يجتمعون بها ومنهم علي الدوعاجي وعبد الرزاق كربالة وعثمان الكعاك والهادي العبيدي إلى جانب بعض المغنين والمغيات أمثال الهادي الجويني وفتحية خيري وفضيلة ختمي وعبد العزيز العروي وصديقه محمد العريبي، وهي صداقة أثمرت سنة 1937 مصاهرة، فقد تزوج العروي أخت العريبي، وانتقل معها بالسكنى سنة 1940 إلى مدينة رادس ، وفيها عاش وأنجب أبنائه وبناته حتى وفاته في 13 جويلية 1971 وقد ذاع صيت الأستاذ عبد العزيز العروي من خلال مقالاته الثقافية والسياسية والاجتماعية ، بالفرنسية، في جريدة Le petit Matrice لصاحبها سيمون زانا، وبها نشر العديد من الماقالت عن مؤتمر الحزب الحر الدستوري بنهج تريبونال ، في جويلية 1937 وكذلك عديد الزعماء والأبطال أمثال الحبيب بورقيبة و البشير صفر و الشيخ الثعالبي وعن أبي القاسم الشابي وعلي الدوعاجي والطاهر الحداد والشيخ عبد الحميد بن باديس كما تحدث عن معارض الرسم والأفلام وعن شؤون المسرح والغناء والرقص وعن أشهر الفنانات آنذاك وقدم بعض الحكايات وعن بطولة الجزائر وأبطال أبنائها وبناتها، ومنهم جميلة بوحيدر (17 نوفمبر 1957) وغيرها من المقالات الممتازة.

وبالتوازي مع ذلك النشاط الصحفي الغزير، باللغة الفرنسية ، دخل العروي معابر “الإذاعة” عند تأسيسها سنة 1938 محررا ومذيعا فمقدم برامج، ثم عهدت إليه ادارة الإذاعة بالتنقل داخل مناطق البلاد خلال الحرب العالمية الثانية، سنة 1942، وتواصل عمله الإذاعي، إلى ان اشتهر (بابا عزيز) بأسماره الرائقة ، وبرامجه العديدة منها السمر اليومي، وبمسرحياته “في دار عمي سي علالة” بعد ان تولى إدارة فرقة المسرح الشعبي، وألف مسرحيته الشهيرة الفكهة “الجمل ضحك ضحكة” وكذلك اشتهر العروي بحكاياته الرائعة ذات البعد الأخلاقي والحكم الثمينة، باللهجة الدارجة وبأسلوبه الطريف في عرض الأحداث ، وقد بلغت 200 حكاية، كان المرحوم عبد العزيز العروي يبدأ حديثه فيها بعد أن يقرع ناقوسه النحاسي، فيتحلق معجبوه ومعجباته حول المذياع في تونس والجزائر والمغرب وليبيا ويتلهفون على سماع صوته ونبراته ، ويراسلونه مستفسرين شاكين إليه همومهم وأشجانهم ، فيتعاطف معهم ويدافع عنهم وينتقد المظالم ويفضح الإقصاءات و التجاوزات ، لذلك كان “باب عزيز” محامي الشعب والمتحدث باسم الجميع والمعبر عن مشاغل الجمهور.

وقد اختار العروي لهجة تونس العاصمة للتعبير عن خواطره وأفكاره، وحكاياته وأسماره، وهو ما نقرأه في حكاياته التي نشرتها في أربعة أجزاء محلاة ببعض الصور وهي حكايات استقى مواضيعها من كثير من جهات البلاد التي زراها او قام بها أثناء عمله في بداية حياته المهنية، بالشمال الغربي والساحل والجنوب، إلى ان انتهى به المطاف إلى العاصمة، “ولما التحق بالإذاعة وقف جهده وهوايته على الأدب الشعبي، فدأب في إذاعة أسماره وأقاصيصه وانشغل إلى غير حد بعالمه المتلاطم بالأخيلة والمطامح والمشاهد، ولكنه اختار ، منذ البداية، أكثر اللهجات “شعبية” وهي لهجة الحاضرة، فحملها كل هذا ذلك، وبذلك عمل على إشاعتها أكثر بين الناس.
ولعل أهم خاصياته الفنية في حكاياته وأسماره ومسرحياته الإذاعية، هي الفكاهة والسخرية والتهكم واختيار العبارة الملائمة، والمثل المشهور والحكمة البليغة، والموعظة الحسنة، والسرد المشوق، والخيال الممزوج بالواقع، وذكر الامثلة الحية، وتعيين الاماكن وتسمية الأشياء بمسمياتها ، وإنهاء السمر أو الحكاية بالنصح المفيد والرأي السديد ، وهو ما جعل تلك الأسمار والحكايات بمثابة المدرسة التي تربى فيها ةنشأ وتعلم منها شعب تونس بأسره بل شعوب المغرب العربي، كيف لا وهو الذي اعاد للسمر والحكايات وللجهة الدارجة جمالها وحيويتها “وأقحمها في أدق مسالك التعبير” الروائي.
ولكن الموت عاجلته ، إثر مرض عضال ألم به ، يوم 13 جويلية سنة 1971، عن سن بلغت 72 عاما، بعد شهر وتسعة أيام من تكريمه في دار الثقافة ابن رشيق بتونس العاصمة، يوم 4 جوان سنة1971، فاهتزت الأوساط الثقافية والإعلامية ، وفجع الشعب التونسي وفي المغرب العربي في “باب عزيز” وبكاه الجميع ورثاه الشعراء.

Facebook Comments

عن هاجر عبيدي

شاهد أيضاً

transtu

شركة النقل بتونس :بداية من الغد ،تحوير جزئي في حركة المرور على مستوى هذه الشوارع

تعلم شركة النقل بتونس ،في بلاغ نشرته منذ قليل( الاربعاء 7 ديسمبر 2016 ) ، ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *