free statistics في الذكرى الثالثة والخمسين لمعركة الجلاء عن بنزرت “الحلقة الأولى” – شبكة المدار نيوز
الخميس , 19 يناير 2017
الرئيسية / الثقافية / في الذكرى الثالثة والخمسين لمعركة الجلاء عن بنزرت “الحلقة الأولى”

في الذكرى الثالثة والخمسين لمعركة الجلاء عن بنزرت “الحلقة الأولى”

بقلم: المنصف بن فرج برلماني سابق ومؤلف كتاب ملحمة النضال التونسي

اليوم يحتفل الشعب التونسي رجالا ونساءا كبارا وصغارا بالذكرى الخامسة والأربعين لعيد الجلاء فأقيمت معالم الزينة عبر شوارع ولايات الجمهورية ابتهاجا بهذا العيد السعيد الذي نعتز به ونعتبره من أعظم أعيادنا القومية وأمجادنا الوطنية، لأن هذا اليوم يرمز إلى التخلص من آخر جندي من جنود الاحتلال الفرنسي الذين كان يحتل بلادنا، وبذلك تجسمت سيادتنا على كامل أجزاء وطننا وأصبحنا أمة حرة مستقلة نتحكم في مصيرنا ونسوس أمورنا بأيدينا.
فذكرى هذا العيد كما يدل عليه اسمه- تعود مرة في كل سنة ليذكرنا ويذكر الأجيال المتلاحقة بما ينطوي عليه من العبر والدروس حتى لا ننسى ما يفرضه علينا هذا اليوم من الواجبات وما ينتظرنا جميعا من المسؤوليات نحو وطننا العزيز تونس الخضراء.
ولكل عيد من أعيادنا الوطنية خصوصياته وملامحه التي تميزه عن غيره فعيد الجلاء يذكرنا بالحرب الدامية التي خاضها الشعب بجميع فئاته ضد الجيش الفرنسي لإرغامه على مغادرة البلاد وترك الدار لأهلها.
وللتذكير فإن معركة الجلاء دخلت مرحلتها الحاسمة اثر الغارة الفرنسية على ساقية سيدي يوسف، بواسطة إحدى عشرة طائرة نوع ب 26 اختلطت فيها دماء الشعبين التونسي والجزائري معاقبة تونس عن وقوفها ودعمها قولا وفعلا للشقيقة الجزائر من أجل نيل استقلالها، وهي ملحمة نضالية حقيقية تونسية جزائرية تاريخية تمت بين البلدين الشقيقين (دون اتفاقيات مسبقة بينهما).
وإثر تلك الغارة أكد الزعيم الحبيب بورقيبة في كلمته التي ألقاها يوم 8 فيفري 1958 بالتعجيل بجلاء الجيش الفرنسي من أرضنا مؤكدا بأن قضية الجلاء الفرنسي يجب أن نبادر بها قبل كل قضية وأن نتخلص نهائيا من هذا الاستعمار الذي داس أرضنا وأهاننا السنين الطوال، مؤكدا بأن معركة الجلاء ستشمل التراب التونسي بأكمله من الجنوب إلى الشمال. وأسرعت الحكومة التونسية تقود المعركة وتهيئ لها أسباب النجاح خصوصا بعد تقديم تونس شكوى إلى مجلس الأمن حول تلك الغارة الفرنسية على ساقية سيدي يوسف والذي ذهب ضحيتها 87 شهيدا من أبناء الشعبين التونسي والجزائري، وطبقا للفصل 51 من ميثاق الأمم المتحدة اتخذت الحكومة التونسية تدابير الأمن الوقائية التالية :
يحجر:
يحجر كل تحرك للقوات المسلحة الفرنسية
يمنع دخول الوحدات البحرية الحربية الفرنسية إلى المواني التونسية
يحجر قدوم أي إمدادات أو إنزالها بالمظلات وكل تحليق للطيران العسكري الفرنسي فوق التراب التونسي يمنع منعا باتا.
علما بأن القوات الفرنسية كانت ليست أسيرة أو معتقلة، وهي تستطيع في أي وقت مغادرة أماكن إقامتها لتتجه إلى نقطة الخروج النهائي قصد الجلاء، وفي هذه الحالة كانت الحكومة التونسية على استعداد لتقديم كل التسهيلات لإجراء تلك العمليات وأن تموين المستشفيات ونقل المرضى يجريان بصورة عادية.
كما ان الحكومة التونسية مستعدة كذلك لتسهيل كل انسحاب من المراكز المنعزلة نحو المنشآت التي لديها تموين.
وإذا حاولت قوات الإحتلال الفرنسية أن تخالف هذه التدابير تعتبر الحكومة التونسية نفسها في حالة دفاع شرعي وهي تتبرأ من كل المسؤوليات فيما يتعلق بالعواقب التي قد تنجم عن ذلك.
ووقف الشعب التونسي صفا واحدا ملتحما بحكومته يشد أزرها ويقوي جانبها ويخوض المعركة في حماس واندفاع فكانت ” أيام اليقظة” التي رابطت فيها أبناء الشعب رجالا ونساء، صغارا وكبارا، أمام الحواجز والمتاريس يقطعون الطرق على الجيش الفرنسي الذي انقلب من جيش احتلال إلى جيش محاصر في الثكنات. وأصيبت الوحدات العسكرية الفرنسية بالشلل وهددتها المجاعة فاستغاثت بحكومتها التي حاولت أن تحمل تونس على التراجع دون جدوى وتداخلت الأوساط الأممية للتخفيف من حدة النزاع وطلبت من الحكومة التونسية أن تسمح بتموين الجنود الفرنسيين فلم تمانع تونس في ذلك على أن لا يبارح الجنود ثكناتهم، وهكذا برهنت تونس مرة أخرى على تشعبها بالروح الإنسانية وحقوق الإنسان حتى في أحلك الظروف.
لقد استمر الصدام أربعة أيام من 19 إلى 22 جويلية 1961 سالت فيه دماء المواطنين والجيش التونسي واستشهد أكثر منهم في سبيل الله وعزة الوطن، ورغم إمكانياتنا الضعيفة والمتواضعة فقد انتصرنا على جيش الاحتلال الفرنسي رغم قوة عتاده وكثرة أعداده بفضل الإيمان بعدالة قضيتنا.
وتمضي المعركة قدما ويحاول بعض المتنطعين من قادة الجيش الفرنسي أن يتجاوزا إرادة تونس وقرار حكومتها فيشتبك الجيش الفرنسي مع التونسيين في رمادة حيث لقن الكولونيل “مولو” درسا تاريخيا لن ينساه حيث كان يتجاهل استقلال تونس. تلك هي الخطوط العامة للمعركة التي دخلت مرحلتها الحاسمة اثر الغارة الفرنسية على الساقية والتي امتدت إلى أن وافـقت حكومة الجنــرال ديغول على الجلاء التام.
لقد برهنت السياسة التونسية في تلك المعركة على فعاليتها ونجاعتها، ذلك أن الجلاء لم يتم في الواقع بواسطة القوة ولم تكن القوى التونسية الناشئة قادرة لتتغلب على قوات الجيش الفرنسي المجهز تجهيزا عصريا مثلما أتيح لها ذلك في معركة رمادة. فالسياسة التي قادها زعيم الأمة الحبيب بورقيبة والتي تستخدم الضغط الشعبي عادة للتأثير على الخصم ودفعه في الطريق الذي ترسمه وتعبده هي التي حققت الهدف. ولم تكن الخطة في تلك المعركة لتختلف كثيرا عنها في المعارك السابقة منها تاليب للرأي العام ضد الخصم والإحتكام إلى الأمم المتحدة، وأخيرا الرجوع لمفاوضة الخصم والتأثير عليه بواسطة الدول الصديقة، وسارت الخطة في طريقها المرسوم مرحلة اثر مرحلة فاندلعت الجموع الشعبية تخوض المعركة وأعلن نواب الشعب عن عزمهم على مواصلة الكفاح حتى النهاية النصر.
أصدقائي الشباب قراء جريدة (المدار الإلكتروني) أبناء هذا الجيل أن عيد الجلاء يدعوكم أن تتذكروا شهداء المعارك الحربية- منها معركة رمادة ومعركة بنزرت وشهداء الغارتين الفرنسية والإسرائيلية على ساقية سيدي يوسف في 8 فيفري 1958 وعلى حمام الشط في غرة أكتوبر 1985 وأن تترحموا على أرواحهم الطاهرة وأن تستلهموا من تضحياتهم واستبسالهم ما يدفعكم إلى اليقظة التامة والدائمة للذود عن عزة هذا الوطن العزيز ومناعته لتواصل بلادنا تحقيق مزيد الانتصارات في جميع المجالات، ونحافظ على أمن الوطن واستقراره وتنميته بفضل رجالا تفضل بهم الخالق الفاضل لهاته الأمة.

Facebook Comments

عن هاجر عبيدي

شاهد أيضاً

فيديو/بمناسبة مباراة تونس والجزائر:كلاش بين “ميقالو” و “دوبل كانو” يُلهب مواقع التواصل الاجتماعي

في الفقرة الطريفة التي يقدمها الممثل الساخر الحبيب ميقالو في برنامج “التاسعة CAN” على قناة ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *