free statistics ملحمة النضال التونسي في الذكرى الـ 23 لوفاة المناضل الكبير الطيـب سليم – شبكة المدار نيوز
الجمعة , 20 يناير 2017
الرئيسية / الثقافية / ملحمة النضال التونسي في الذكرى الـ 23 لوفاة المناضل الكبير الطيـب سليم

ملحمة النضال التونسي في الذكرى الـ 23 لوفاة المناضل الكبير الطيـب سليم

بقلم: المنصف بن فرج قنصل عام سابق ومؤلّف كتاب ملحمة النضال التونسي

بالعودة إلى تاريخ حياة الزعماء والدبلوماسيين والمناضلين والمقاومين المتوفين نجد أنهم قد أفنوا أعمارهم خدمة للقضية الوطنية التونسيّة، وجابوا أقطار العالم شرقا وغربا، في أقصى القارة الآسياوية، وفي أوروبا وأمريكا وغيرها من الأقطار وتكلموا في أكبر المحافل الدولية ونشروا مقالاتهم في أغلب الصحف والمجلات العالمية تعريفا بعدالة قضية تونس ورغبة منهم في كسب عطف الرأي العام الدولي ولأصوات الدول والحكومات ورؤسائها وزعمائها حتى يصوتوا لفائدة بلادنا كلما وجب التوجه بشكوى ضد الخصم الإستعماري الفرنسي في منظمة الأمم المتحدة أو مجلس الأمن الدولي، ثم بعد الإستقلال كانوا دعامات بناء النظام وتركيز أسس الدولة ودواليبها واضطلعوا بجسيم المهمات وجليل الأعمال داخل تونس وخارجها، مساهمة في إقامة العلاقات مع الغرب والشرق وتحسينها مع بعض الدول، ورفعا من مكانة بلدنا بين الأوطان .
وإذا كان بعض زعمائنا معروفين جدا لدى جمهور المواطنين، أمثال المرحومين الحبيب بورقيبة والمنجي سليم، والهادي شاكر وفرحات حشاد والحبيب ثامر والطيب المهيري، وصالح بن يوسف، فإن هناك رجالا أفذاذ آخرين لا يقلون بذلا وجهدا وحبا لتونس لا بد لنا من التعريف بأعمالهم والتذكير بخصالهم، ومنهم المناضل الكبير والدبلوماسي القدير المرحوم الطيب سليم المجاهد زمن الإستعمار داخل البلاد وخارجها، والدبلوماسي المحنك في دولة الإستقلال .
فمن هو الدبلوماسي الطيب سليم ؟
لقد ولد في 19 جانفي 1914 بتونس العاصمة، وهو شقيق الزعيم المناضل المرحوم المنجي سليم، وابن خالة المناضل الراحل الحبيب ثامر، درس بالعاصمة وحذق اللغات وخاصة الإنجليزية وكان من أبرز تلاميذ معهد كارنو بتونس، وفتح عينيه على مظالم الإستعمار، وشارك وهو ابن 16 سنة في مظاهرة صاخبة مناهضة للمؤتمر الأفخرستي الذي أقيم سنة 1931، فأوقفته السلط الإستعمارية ثم أطلقت سراحه نظرا إلى صغر سنه .
وقد كان المرحوم الطيب سليم ذا حس وطني رفيع، فانظم إلى الهيئة التأسيسية للشبيبة المدرسية سنة 1932. وفي فرنسا درس بجامعتها علوم التجارة والتحق بكلية الحقوق بين 1937 و1939، ثم عاد من فرنسا إلى تونس إثر حوادث 9 أفريل 1938 ليصبح من أصغر أعضاء الديوان السياسي للحزب الحر الدستوري (الجديد)، وواصل نضاله في سبيل جمع كلمة التونسيين ليثوروا على المستعمر الفرنسي، فألقت عليه السلطات الفرنسية القبض سنة 1941 على الحدود الليبية بينما كان يهم بمغادرة البلاد خلسة وحكمت عليه بعشرين سنة أشغالا شاقة، وظل في الحبس مقيما إلى أن أفرج عنه في ديسمبر 1942 من قبل الأميرال استيفا ESTIVA بتدخل شخصي من الملك الشهيد المرحوم محمد المنصف باي لدى السلطات الألمانية، ولم يرتح المناضل الطيب سليم للسلطات الفرنسية التي ظلت تطارده، ففر إلى ايطاليا ثم إلى ألمانيا ليستقر مدة هناك ثم ليتحول إلى اسبانيا حتى سنة 1946، حيث انتقل صحبة المناضلين المرحومين الحبيب ثامر والرشيد ادريس إلى القاهرة بدعوة من الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة الذي كان آنذاك موجودا بالشرق للتعريف بالقضية التونسية، وللمساهمة في أعمال الجامعة العربية التي تأسست في نفس السنة .
وما ان التأم شمل عديد الزعماء والمناضلين التونسيين بالقاهرة حتى بادروا بتأسيس “مكتب الحزب” في القاهرة، وسعوا إلى توحيد مكاتب حركات التحرير المغاربية في مكتب المغرب العربي يوم 15 فيفري 1947 .
وبعد تلك المرحلة التأسيسية لوجود تونس وممثليها في الشرق، اتجهت نية المرحوم الطيب سليم وبعض رفاقه إلى التوجه إلى أوروبا ليفتحوا صفحة من الجهاد هناك، من أجل توضيح القضية الوطنية التونسية والمغاربية لدى مختلف الأوساط الأوروبية، وأنشأوا “مكتب المغرب العربي” في برلين بألمانيا، وآخر بباريس، وأصدروا بعض الصحف والنشريات باللغتين الألمانية والفرنسية، وكان الطيب سليم والزعماء المغاربة على اتصال بالجالية المغاربية هناك، ليبثوا الدعاية الوطنية بين صفوف حوالي مائتي ألف من أبناء تونس والجزائر والمغرب المقيمين في أقطار أوروبا .
ولما توفي الزعيم الحبيب ثامر سنة 1949 في حادث الطائرة التي كانت فوق تراب باكستان عند مشاركته في أحد المؤتمرات العالمية للتعريف بقضية تونس، كان لا بد من تعويضه على رأس مكتب الحزب بالقاهرة، فاختار الزعيم بورقيبة المناضل الطيب سليم لهذه المهمة، كما اختاره رفيقا لرحلته إلى الشرق الآسياوي في فيفري 1951 وهناك استطاع بورقيبة ومعه الطيب سليم كسب الأنصار أمثال نهرو (في الهند) وعلي خان (في الباكستان)، ثم كذلك كسب تأييد حكومتي سيلان وأندونيسيا . ولما عاد بورقيبة والطيب سليم إلى القاهرة، في جوان 1951، انتظم اللقاء التاريخي الذي ضم المناضلين على الزليطني ومحمد المصمودي وغيرهم ليستقر الرأي على إعداد الثورة الوطنية التونسية المسلحة .
وواصل الطيب سليم نضاله السياسي والديبلوماسي مع بورقيبة فرافقه بعد ذلك في جولة جديدة إلى أوروبا، وحضر مؤتمر اتحاد النقابات العالمية، بصفته عضوا في الإتحاد العام التونسي للشغل، وهناك تعرف على الزعيم النقابي فرحات حشاد، ثم سافر إلى انجلترا وإلى السويد للتعريف بالقضية التونسية وقد كان الوضوح والصراحة والنجاعة والإنضباط والتفاني في خدمة الوطن، وقوة الحجة والقدرة على الإقناع، من أهم الخصال التي تحلى بها الطيب سليم والتي كانت تميزه عن كثير من رفاقه، حتى وإن أغضبت البعض منهم .
وما هي إلا فترة حتى اندلعت ثورة التحرير المسلحة وجاء موعد المعركة الحاسمة ضد الإستعمار، والتي بدأت يوم 18 جانفي 1952، فانضم إلى الطيب سليم بالقاهرة محمد بدره وصالح بن يوسف وعلي البلهوان، والرشيد ادريس الذي بدأ يسطع نجمه في سماء النضال والديبلوماسية وهو ما شجع الطيب سليم على الإنتقال في جولة إلى آسيا لتكوين مكاتب فرعية للحزب الدستوري بالهند وبأندونيسيا، وتنظيم لقاءات شعبية بكالكوتا وبومباي وحيدرباد وبيرمانيا وجاكارتا وجاوا وسومطرا وتمكن من كسب مزيد الأنصار وجمع التبرعات لفائدة القضية الوطنية التونسيّة .
وبقي المرحوم يناضل خارج الوطن، إلى أن دعي إلى تونس في سنة 1955 إثر الإعلان عن الإستقلال الداخلي، وحضر مؤتمر صفاقس للحزب في 15 نوفمبر 1955، ليكون في صف الزعيم بورقيبة ويفترق نهائيا عن صالح بن يوسف .
وما ان استقلت البلاد في 20 مارس 1956 وتولى بورقيبة رئاسة الحكومة ليصبح في 25 جويلية 1957 أول رئيس للجمهورية التونسية، حتى صار الطيب سليم من أهم أركان الدولة الجديدة، فالتحق أولا بديوان وزارة الخارجية، ليعين سنة 1957 سفيرا لتونس باستكهولم وكوبنهاج وأوسلو وهي دول اسكاندينافيا، ولينوب على الدوام بلادنا في أهم المؤتمرات الدولية والتأسيسية لعديد المنظمات الإفريقية في أكرا عاصمة غانا سنة 1959 وفي أديس أبابا بأثيوبيا رئيسا للبعثة التونسية في الدولة الأولى للجنة الإقتصادية الإفريقية .
وفي سنة 1962 عينه الزعيم بورقيبة سفيرا ممثلا قارا لتونس في الأمم المتحدة وسفيرا لتونس بالكندا ورئيسا للجنة المشاركات الدولية، ثم وقع تعيينه في نفس الفترة عضوا باللجنة الإستشارية بالكنغو في إطار عمله بالأمم المتحدة، وعضوا بلجنة روديسيا من أجل منح الإستقلال لجمهورية ذلك البلد، وممثلا في اللجنة المناهضة للإستعمار .
أما على الصعيد الحزبي، فقد انتخب عضوا باللجنة المركزية للحزب في مؤتمر المصير ببنزرت في أكتوبر سنة 1964 ثم دعي من نيويورك للانضمام إلى البعثة التونسية المشاركة في قمة عدم الإنحياز بالقاهرة .
ولم تزده الأعوام إلا تألقا في مسيرته الديبلوماسية على المستوى الدولي، حيث انتخب الطيب سليم، سنة 1965 عضوا في مجلس إدارة برنامج الأمم المتحدة للتنمية، وفي سنة 1966 رئيسا للجنة التحضيرية للسنة العالمية لحقوق الإنسان، وفي 10 جانفي 1967 انتخب بالإجماع رئيسا لمجلس برنامج المساعدة على التنمية في المنتظم الأممي .
وفي تونس، تم تعيينه من 26 أكتوبر 1967 كاتب دولة وممثلا شخصيا لرئيس الجمهورية، وواصل المرحوم عمله داخل الوطن وخارجه، مكلفا بمهمات سامية، وممثلا لرئيس الدولة في عديد المؤتمرات وأشغال مجالس وزراء المنظمات، كمنظمة الوحدة الإفريقية ومؤتمر القمة الإفريقي سنة 1969، وافتتاح الندوة السنوية للحوار الإفريقي الأمريكي في نفس السنة، وندوة القمة العربية الخامسة بالرباط ممثلا شخصيا لرئيس الجمهورية، ورئيسا للوفد التونسي، وقد كان موضوعها : ” نصرة قضية فلسطين وتأييد شعبها لتخليص وطنه من الصهيونية الغاشمة ” .
كما ترأس الوفد التونسي إلى مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية، بجدة في 24 مارس 1970، وسافر إلى نيويورك يوم 11 جوان 1970، بوصفه وزير الدولة الممثل الشخصي للرئيس للمشاركة في اجتماع مجلس إدارة جمعية الحوار الإفريقي بوصفه أحد المجلس الثمانية .
وعلى إثر ذلك تم تعيينه سفيرا لتونس بالرباط في جويلية 1970 وأعيد انتخابه في مؤتمر الحزب بالمنستير سنة 1971، وأصبح عضوا في الديوان السياسي وبقي ينتقل في العمل الديبلوماسي سفيرا من المغرب إلى جونيف إلى كندا .
ومن أواخر مهماته، سنة 1980، تكليفه بحمل رسائل شخصية إلى رؤساء إيران وباكستان والهند وأندونيسيا وماليزيا، لمزيد تمتين علاقة تونس بتلك البلدان، في ظرف سياسي صعب بدأت معه حرب العراق مع إيران . وفي 20 سبتمبر 1993 توفي المناضل الكبير والديبلوماسي القدير المرحوم الطيب سليم، ونقل إلى مقبرة الجلاز بالعاصمة “ويعتبر المرحوم المناضل الطيب سليم من ألطف الناس معشرا، هادئ المزاج، رصين التفكير، عاملا في صمت، وفيا لله وللوطن إلى آخر رمق في حياته .
هذه فكرة موجزة عن حياة ونضال أحد رموز الحركة التحريرية وبناء الدولة بعد الإستقلال في تونس رحم الله الفقيد العزيز الطيب سليم وأسكنه فراديس جنانه وإنّ لله وإنّ إليه راجعون.

 

Facebook Comments

عن هاجر عبيدي

شاهد أيضاً

فيديو/بمناسبة مباراة تونس والجزائر:كلاش بين “ميقالو” و “دوبل كانو” يُلهب مواقع التواصل الاجتماعي

في الفقرة الطريفة التي يقدمها الممثل الساخر الحبيب ميقالو في برنامج “التاسعة CAN” على قناة ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *