free statistics مشروع قانون المصالحة الوطنية في المجال الاقتصادي والمالي… تطوير التشريعات وإيجاد الحلول – شبكة المدار نيوز
الأحد , 22 يناير 2017
الرئيسية / الإقتصادية / مشروع قانون المصالحة الوطنية في المجال الاقتصادي والمالي… تطوير التشريعات وإيجاد الحلول

مشروع قانون المصالحة الوطنية في المجال الاقتصادي والمالي… تطوير التشريعات وإيجاد الحلول

بقلم : المنصف بن فرج نائب سابق بمجلس النواب ونائب رئيس جمعية البرلمانيين التونسيين

لا مناص من الإقرار بأن الوضع الذي تعيشه تونس هو بعكس التوقعات التي رافقت الإرهاصات الأولى للثورة.
ففي الوقت الذي كان فيه الاستبشار الشعبي عارما غداة الثورة تجد تونس نفسها اليوم بصدد أزمة عميقة ذات أبعاد أمنية وبالخصوص ذات أبعاد اجتماعيّة واقتصادية ومالية انعكست بشكل خطير على حياة التونسيين، وهذه حقيقة جلية لا ينكرها أحد إلاّ من اختار القفز على الحقائق.
في هذا السّياق الوطني الملتبس بشتى التحديات يأتي مشروع القانون الأساسي المتعلق بالإجراءات الخاصة بالمصالحة في المجال الاقتصادي والمالي الذي كثر فيه الجدل وله خصومه وأنصاره في سياقات تفاعلية مختلفة ومتغايرة بعضها عقلاني رصين وبعضها الآخر شعبوي ديماغوجي جعل فهم هذا المشروع ومقاصده أمرا ملتبسا في أذهان النخبة ناهيك عن العامة.
من وجهة نظر تشريعية : بات واضحا أن تونس المأزومة في حاجة إلى مشاريع قوانين جديدة من شأنها أن تساهم في إخراج البلاد من بوتقة الأزمة..خاصة تلك التي تهم الجانب الإقتصادي والمالي.
فبعد الثورة كان الطابع الغالب على التوجه التشريعي السائد هو التشنج والنزعة الانفعالية السّريعة المتأثرة بالحماس الذي رافق الأيام الأولى للثورة. وكلنا تابعنا بالتأكيد المشهد السائد داخل المجلس التأسيسي انذاك ناهيك عن المشهد السياسي والإعلامي بشكل عام.
وباستثناء صياغة الدستور الجديد لم ترتق مشاريع القوانين خاصّة المعنية بالجانب الاقتصادي إلى مستوى خطورة المرحلة وتحدياتها واستحقاقاتها. وحتى قانون العدالة الانتقالية بدا بدوره على وجاهته وأهميته إشكالا مثيرا للكثير من النقاش وسوء الفهم والتقدير.
اليوم الوضع خطير في تونس وما يعيشه التونسيون من أوضاع معيشية صعبة وما تعيشه الكثير من الجهات الداخلية من احتقان مستمر وما نطالعه من حين إلى آخر من تقارير دولية حول مخاطر الوضع الاقتصادي الراهن في تونس وما يتصل به من انحسار نسبة النمو وتراجع فرص العمل وتقلص حظوظ السياحة والاستثمار…كلّ ذلك يؤكد أن تونس تحتاج إلى مشاريع قوانين جديدة ومغايرة.
والمصالحة هنا تبدو في نظري خطوة عملية وعقلانية من شأنها أن تحشد كلّ الطاقات الاقتصادية والمالية لخدمة استراتيجية التنمية الشاملة وذلك في نطاق عقلاني غير منفلت. والفصل الأول من مشروع القانون واضح في هذا السّياق حيث يشير صراحة إلى أنّ هذا القانون يندرج في إطار تهيئة مناخ ملائم يشجع على الاستثمار وينهض بالاقتصاد الوطني ويعزز الثقة بمؤسسات الدّولة ويهدف إلى إقرار تدابير خاصة بالانتهاكات المتعلقة بالفساد المالي والاعتداء على المال العام تفضي إلى غلق الملفات نهائيا وطي صفحة الماضي تحقيقا للمصالحة باعتبارها الغاية السّامية للعدالة الانتقالية.
وهذا يعني أن القانون ليست له أهداف اعتباطية أو ذاتية ضيقة بل أن آفاقه وطنية شاملة في نطاق استراتيجية العدالة الموصولة بخيار المصلحة.
ولعلّ فصول مشروع القانون الاثني عشر بادية الوضوح والدقة في هذا السّياق التفاعلي بين العدالة الانتقالية والمصالحة.
من وجهة نظر فكرية يندرج مشروع قانون المصالحة في سياق سعي السلطة السياسية إلى إعادة التفكير في العدالة الانتقالية على أساس إنقاذ شريحة مؤثرة في المشهد الاقتصادي الوطني وهي شريحة رجال الأعمال الذين حاقت بهم شبهات فساد مالي كي يعودوا إلى حضن الاقتصاد الوطني فاعلين فيه بشكل إيجابي لا ريب فيه هذه المرّة.
ولا شكّ أن مبادرة رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي بهذه الخطوة المعنية بالمصالحة تؤكد أن صلاحيات الرئيس وإن لم تعد إلزامية بشكل مطلق من الناحية التشريعية فإنها منفتحة على روح المبادرة في ظل دور فاعل للبرلمان وحرّية كاملة في المشهد السياسي والمجتمع المدني بعد أن تخلصت تونس نهائيا من نظام الحكم الرئاسي المطلق.
والمبادرة تبدو خارجة عن كلّ حسابات سياسية ضيقة لأنها في تصورها العام وغايتها النهائية ترمي إلى تدعيم أسس العدالة الانتقالية في مجال الانتهاكات المتعلقة بالفساد المالي.
وأنني أدعو كلّ مكوّنات المجتمع المدني في تونس إلى أن تكثف من عقد لقاءات حواريّة حتى يكون ذلك خير أرضية لفهم قانون المصالحة الاقتصاديّة والماليّة فهما عقلانيا رصينا والاستفادة من أراء الخبراء والمختصين والانفتاح على تجارب شبيهة من العالم ومعرفة خصائصها واستقراء مساراتها وإدراك نجاعتها وإخفاقاتها والتوقف عند حصادها ونتائجها.
فكما لاحظت ولاحظنا جميعا ما انفكت أعمدة الصحف وصفحات التواصل الاجتماعي تشهد فيضا من المقالات والتحليلات التي راوحت نفسها بين النقد والارتياح لمضامين هذا المشروع والمعايير بدت مختلفة من مقال إلى آخر ومن تحليل إلى سواه. مناخ الحرّية بطبيعة الحال يوفر هذا الاختلاف ولكنه لم يخف بعض الحسابات الضيقة والرغبات الدفينة في وأد مشروع القانون في المهد.
إن المطلوب عند مناقشة مشروع القانون من قبل مجلس نواب الشعب هو الاحتكام إلى منطق العقل بعيدا عن المهاترات والتجاذبات ووضع مصلحة تونس في الميزان حتى تظل التشريعات مرنة متكيفة مع حاجيات الواقع المتغيرة خاصة في بعدها الاقتصادي.
لقد حان الوقت اليوم أمام فداحة الوضع الذي تعيشه تونس كي نكون شجعانا بما يكفي كي نمدّ الجسور ولا نقطعها..كي نبتعد عن خطابات التشفي والانتقام والشعبوية البغيضة التي قادت تونس إلى هذا الوضع الخطير وذلك لن يتمّ في تقديري بمعجزة بل بالإرادة وروح المبادرة والعقلانية والانتصار لمصلحة الوطن بعد أن كان الدّرس كبيرا يوم الرّابع عشر من جانفي أحد عشر وألفين.
لا أحد بالتأكيد يريد لتونس المزيد من الأزمات بعد أن صارت معركتها أكبر من الأمس في وجه التردي الاجتماعي والإفلاس الاقتصادي والإرهاب الجاثم على الصدور. كل الوطنيين الصادقين يريدون لتونس الخير والخلاص. فالحرّية والديمقراطية لا يكفيان لوحدهما كي نقول أن تونس تغيرت فلا بد لهما من روافد تنمويّة شاملة ودائمة ومتطورة.
وذلك لا يتأتي إلا بشجاعة المبادرة ونجاعة الحلول من جنس مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية الذي يجب فهم استراتيجيته بالعقل والفطنة والرصانة لا بالتشنج والتأويل الخاطئ والشعبوية.

Facebook Comments

عن هاجر عبيدي

شاهد أيضاً

إعترافات مثيرة للمتحدث الرسمي بإسم داعش في بنغازي

صرح أمس السبت 21 جانفي 2017 مدير قناة ليبيا الحدث محمود الفرجاني، أن برنامج “وثائق خاصة” عرض ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *