free statistics الحركة الوطنيّة التونسيّة ذكرى 3 سبتمبر 1934.. في فكر المناضل الراحل الباهي الأدغم – شبكة المدار نيوز
الإثنين , 23 يناير 2017
الرئيسية / الثقافية / الحركة الوطنيّة التونسيّة ذكرى 3 سبتمبر 1934.. في فكر المناضل الراحل الباهي الأدغم

الحركة الوطنيّة التونسيّة ذكرى 3 سبتمبر 1934.. في فكر المناضل الراحل الباهي الأدغم

بقلم المنصف بن فرج مؤلف كتاب ملحمة النضال التــّونسي

 

في لقاء جمعني مع المناضل الكبير الباهي الأدغم قبل وفاته تحدث عن فترة حساسة من تاريخ الحركة الوطنية، فيحدّثنا عن ذكرياته العالقة بذهنه وهو الذي ساهم بقسط وافر فيها وفيما تلاها من أحداث قبل نيل تونس الاستقلال وبعده فواصل حديثة عن أسباب ومسببات أحداث 3 سبتمبر 1934 مؤكّدا بأن جماعة الحزب الحر الدستوري الجديد بزعامة الراحل المرحوم الحبيب بورقيبة قد غيّروا طريقة العمل، واعتمدوا طريقة الإتصال المباشر بالشعب خصوصا، بعد مؤتمر قصر هلال في 2 مارس 1934 بأن دعا إلى دور أهمّ للصحافة، وإلى تنظيم صفوف الحزب ، والتشهير بالتصرّفات الاستعمارية كلما وقعت، وسنّ نهج الاتصال المباشر بالشعب عن طريق التنقل بين القرى والأرياف فزار أرجاء الجنوب والساحل والوسط وغيرها لإقناع الجميع بحتمية النضال، وهو ما أثار غضب المستعمرين، فتوجّه رجال الأمن صباح يوم 3 سبتمبر 1934 إلى بيت الزعيم بالمنستير، فوجدوا مجموعة لا بأس بها من المواطنين أمام البيت معتصمين هناك، وأرادوا منع جنود المستعمر وشرطته من أخذ الزعيم لكنه قال لجموع الحاضرين تلك القولة الشهيرة : “ليس المهمّ في الموضوع حرّيّتي، وإنما المهمّ صمود الشعب وإقامته الدليل على حيويةته بالكفاح المتواصل الذي لا يلين ولا يعرف للاستكانة والخذلان سبيلا، فبالكرّ والفرّ في ثبات وتؤدة يمكن أن أسترجع حرّيتي وأعمل من جديد للقيام برسالتي وأنا محفوظ الكرامة…” ولا فائدة الآن في إراقة الدماء، لأنّ السلط الاستعمارية تنتظر مثل هذا الجوّ من الفوضى، لتفعل ما بدأ لها، والاصطدام بسبب اعتقالي لا يحقّق أيّة مصلحة”.
وهكذا أخرج جنود الاستعمار الزعيم الحبيب بورقيبة من بيته وسط زغاريد النسوة وهتاف المناضلين، وتمّ إبعاده مع بعض الرفاق إلى برج البوف بالجنوب التونسي، أمثال المرحوم محمود الماطري والصادق بوصفارة، أمّا من بقي طليقا من أعضاء الديوان السياسي وقيادي الحزب، فقد انقسموا فريقين :
فريقا تخاذل في العمل والنضال ووقفوا حجر عثرة في سبيل تطوّر الأحداث لقيامهم بدور الوساطة وإعانة المقيم العام الفرنسي على تهدئة الخواطر وشلّ تحركات الثائرين وفريقا كانوا بحق رجالا أوفياء مخلصين لله وللوطن.
فمن كان يستطيع الوقوف في وجه البحري قيقة أو الطاهر صفر أو صالح بن يوسف ؟ فما كان علينا نحن المناضلين الشبان إلاّ الانقياد لأوامر الحزب وتعليمات الديوان السياسي، ولقد كانت مواقف الدكتور محمود الماطري والزعيم الحبيب بورقيبة وهما في المنفى مواقف بطولية شجاعة، رفضوا بها الاستسلام للمستعمر وكانت رسائل الزعيم إلى رفاقه الهادي شاكر وأخيه محمد وغيرهما تدعو إلى الثبات على المبدأ وإلى رباطة الجأش، لأنّ بعد نظره هداه إلى أن يستغل الشعب هذه المحنة، فلا بدّ من توحيد الصفوف، وفرض النظام الحزبي والانضباط وحتّى تتقدّم مسيرة النضال، وهذا ما أكّده الزعيم بورقيبة لنا في إحدى سائله من برج البوف في المنفى، حيث يقول : “لقد دخلنا الحلقة الحاسمة من كفاحنا، وأصبحت القضيّة قضيّة حياة أو موت، والأهمّ اليوم من كلّ شيء هو الصّمود وردّ الفعل، تبيّنوا كيف تتّخذون القرارات الحاسمة، وأحسنوا تطبيقها، إذ لا بدّ من الدقة في التطبيق، أوصيكم بالنظام والانقياد والشجاعة”.
وأمرنا الزعيم كذلك بالنضال والاستمرار في إزعاج المستعمر حتّى تظهر تونس بفضل كفاح أبنائها ورفضهم للظلم والطغيان أمّة جديرة بالاحترام، مدافعة عن شرفها، وكم كان يردّد من منفاه في رسائله تلك الآية القرآنية الكريمة من سورة الرعد : “إن الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم”.
وقد تهيأت أرضية النضال في الحقيقة بفضل عمل الحزب الجديد منذ 2 مارس 1934، فلم يكن غريبا أن تندلع الحوادث وتشبّ المظاهرات مع اعتقال الزعماء في 3 سبتمبر 1934، فقد جدّت حوادث المكنين يوم 5 سبتمبر، أي بعد يومين من الاعتقالات، ثم بطبلبة يوم 8 وغيرها من الأحداث في ربوع الساحل والوطن القبلي والشمال والجنوب، وأطلق جنود الاحتلال الرصاص على المواطنين الأبرياء فاستشهد العديد من أبنائنا وجرح الكثير.
وأذكر أنّ السلط الاستعمارية جاءت تغلق نادي الشعبة الدستورية في قربة بعد إيقاف الزعماء وإطلاق الرصاص على المتظاهرين، فقال لهم رئيسها يتحدّاهم ويواجههم : “حسنا، أغلقوا النادي، ولكنّ الحزب قائم في قلوبنا ولن تستطيعوا إغلاقها”.
وهكذا بدأت رقعة النضال والوقوف في وجه الاستعمار تتّسع لتشمل كل الجهات والفئات، في داخل الوطن، وكذلك خارج البلاد، من ذلك النشاط الكبير الذي قام به، في فرنسا، المناضلون الكبار الهادي نويرة والمنجي سليم وسليمان بن سليمان، فقد كانوا يتصلون برجال السياسة الفرنسيين ويعقدون الاجتماعات للتنديد بأعمال الاستعمار وينشرون المقالات الصحفية لإنارة الرأي العام الفرنسي بخصوص حقّ تونس المهضوم، كما كانوا يربطون الصلة بممثلي الأحزاب المغربية والجزائرية من طلبة شمال إفريقيا، وكذلك بأقطاب الفكر والسياسة أمثال الأمير شكيب أرسلان، في سويسرا. وتواصلت المظاهرات في البلاد، منها حادثة وقعت في العاصمة أوائل جانفي 1935، وقد صادفت حلول ليلة القدر في شهر رمضان المعظّم، فاقتحم المتظاهرون جامع الزيتونة الذي كانت تطوّقه عساكر السنغال، وكان الباي حاضرا، فعثر بحصير في قاعة الصلاة من شدة الزحام، فما كان منه إلاّ أن أمر بسجن جميع الموجودين بالجامع، فتمّ اعتقال جمع منهم، في حين فرّ الباقون والتجئوا إلى دكاكين الأسواق.
وتواصل القمع الاستعماري، وتتالى التضييق على أبناء الشعب في تنقلاتهم وفي معاشهم، وتواصل نفي الزعماء وإبقاؤهم مبعدين، وقد تعلّل المقيم العام في خطاب يردّ فيه على طلب الإفراج عنهم وتخفيف حدّة التضييق على الناس، مدّعيا أنه اضطرّ لاتخاذ تلك التدابير حفظا للأمن ومراعاة للظروف التي تعيشها تونس من خصاصة وفقر وأزمات اقتصادية متتالية، وتوطيدا لبرامج الإصلاح الاقتصادي الذي جاء به، إذ لا يمكنه، حسب زعمه، تطبيقه إلاّ في جوّ الاطمئنان، كما ذكر أنّ الحكومة والرأي العام في فرنسا يعتبران تونس سندا ترتكز عليه حرمة فرنسا وسلامة الجمهورية بحكم موقعها في منطقة حساسة من شمال إفريقيا الفرنسية، وإنّ نظام الدفاع بالنسبة للحدود الشرقية –وهوي يعني ألمانيا- يعتمد على استعمال القوات الإفريقية بالذات. كما عبّر المقيم العام في خطابه، عن عدم استعداده للتسامح مع المشاغبين، وعن عدم إطلاق سراح أيّ موقوف أو معتقل إلاّ إذا عبّر عن ندمه وتراجعه عن مواقفه، والحقيقة في رأيي أنّ المقيم العام وأذنابه كانوا يخافون من انتشار الوعي الوطني لدى أفراد الشعب التونسي، لذلك التجئوا إلى التهديد والقمع وسياسة النار والحديد.
غير أن كل هذا لم يزد الزعماء المبعدين، وبعض الزعماء الناشطين والدستوريين إلاّ عزما وحماسا ومضيا في طريق النضال والكفاح من أجل تغيير الوضع، إلى أن ظهرت مناورات وألاعيب، داخل الحزب، بقيادة الشاذلي خير الله الذي افتكّ رئاسة الحزب وأراد تسييره ولكن بتواطؤ مع المقيم العام، حتّى أنه قاد مظاهرة “مفبركة” خرجت تجوب شوارع العاصمة، مخفورة برجال الأمن المدججين بالسلاح في نظام وهدوء وباتفاق مع السفارة الفرنسية. ولكنّ خير الله غادر البلاد نهائيا ليستقرّ في روما، مدّعيا أنه اضطر إلى إتخاذ قراره تحت ضغط السلط الاستعمارية.

Facebook Comments

عن هاجر عبيدي

شاهد أيضاً

توزر_وزير الشؤون الثقافية: سندعم مهرجان الواحات ماليا وادبيا

على هامش المهرجان الدولي للواحات الذي انتظم بتوزر في دورته الـ38 من 17 الى 20 ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *