free statistics في الذكرى الستين لصدور مجلة الاحوال الشخصيّة:الطـــــــاهر الحــــــداد المدافع عن العمال ونصير المرأة في الثلث الأول من القرن العشرين – شبكة المدار نيوز
الأربعاء , 22 فبراير 2017
الرئيسية / الثقافية / في الذكرى الستين لصدور مجلة الاحوال الشخصيّة:الطـــــــاهر الحــــــداد المدافع عن العمال ونصير المرأة في الثلث الأول من القرن العشرين

في الذكرى الستين لصدور مجلة الاحوال الشخصيّة:الطـــــــاهر الحــــــداد المدافع عن العمال ونصير المرأة في الثلث الأول من القرن العشرين

بقلم المنصف بن فرج 

تتأكد يوما بعد يوم مكانة تونس في مجال الإبداع الفكري والإشعاع الحضاري بفضل ما نشأ على تربتها الطيبة من رجال إصلاح وتنوير وفكر تقدمي تعاقب على مر السنوات والقرون، وأضاء منارة تهدي الأجيال نحو الرقي والتقدم، وهل من شك في أن خير الدين باشا وأحمد بن أبي الضياف وسالم بوحاجب ومحمود قابادو ومحمد علي باش حامبة وعبد العزيز الثعالبي والحبيب بورقيبة كانوا نجوما ساطعة في سماء الثقافة التونسية وحتى الكونية بذلوا مجهودا كبيرا يذكر فيشكر تصورا وممارسة وكتابة في ميدان مقاومة التخلف والظلامية والرجعية المقيتة، فأمكن لأفكارهم النيرة أن تبلغ صداها للناشئة التي عاصرتها أو جاءت بعدها.
ولا أبالغ إذا قلت أنّه كلّما احتفلت بلادنا بذكرى صدور مجلّة الأحوال الشخصيّة إلاّ وتذكّرنا الزعيم المصلح الطاهر الحداد، صاحب الثورة فكرية الكبرى تجلت في نضاله من أجل تحطيم قوى الرجعية في تونس، في النصف الأول من القرن العشرين، فهونصير المرأة والمدافع عنها في زمن التخلف، والنقابي من الرعيل الأول إلى جانب المرحوم محمد علي الحامي بدفاعه عن العمال التونسيين المضطهدين أيام الإستعمار الفرنسي، فهل لنا أن نعرف بعض الخفايا عن حياته ؟ ونضاله ؟ ومؤلفاته ؟ وما هي أبرز أفكاره وتأثيرها في المجتمع التونسي فمن هو الطاهر الحداد المدافع عن العمال ونصير المرأة.
هو الطاهر بن علي بن الحاج بلقاسم بن فرحات الحداد، ولد سنة 1901 بتونس العاصمة، حيث كان والداه أصيلي بلدة الحامة من ولاية قابس، فكان أبوه عاملا بسيطا في السوق المركزية بالعاصمة، ثم شارك أخاه في العمل بدكان يبيعان فيه الدواجن، وبعدها اشتغل بمفرده، أما ابنه الطاهر فقد دخل الكتاب صغيرا حيث حفظ القرآن وتعلم الكتابة والقراءة، وحين بلغ سن العاشرة، دخل يتعلم في جامع الزيتونة فأحرز سنة 1920 على شهادة التطويع، وقد شهد في تلك الفترة حوادث الجلاز وراء قسوة الإستعمار، كما كان شاهدا على ميلاد الحزب الحر الدستوري ( القديم ) بزعامة المرحوم عبد العزيز الثعالبي، بغاية مقاومة الظلم والطغيان والمطالبة بحقوق التونسيين ومن ضمنها حقهم في الحرية والكرامة .
وكان من المتوقّع أن يصبح الطاهر الحداد عدل إشهاد بمقتضى أمر ملكي صدر لفائدته، ولكنه آثر عليه الكتابة الخاصة الحرة، حتى لا يتقيد بقيود الوظيفة المجحفة، ولا يكون تحت رحمة الراتب، وانخرط في الوقت ذاته في مدرسة الحقوق، وكأن القدر قد هيأه ليكون محاميا مدافعا عن شعب بأسره فيما بعد، وصدرت منه بوادر الثورة ورفض الأوضاع السائدة في جامع الزيتونة، وفي الحياة العامة، وفي كل شؤون البلاد، وهو ما جعل الباي يأذن بطرده من مدرسة الحقوق وهو داخل قاعة الإمتحان، سنة 1930 لآرائه ومواقفه التي كان الرجعيون والمغرضون يرونها مناقضة للإسلام، وللباي.
ذلك أن الطاهر الحداد قد عرف بانتمائه للحزب الدستوري وبنشاطه الحثيث في صفوفه بوجوده الدائم في اجتماعاته، وبكتاباته الصحفية عنه، وبقيامه بالدعاية الحزبية في شمال البلاد، إلى أن فصلوه عنه بمؤامرة بغيضة وبتهم كاذبة ألصقوها به.
وقد عاين الحداد وضعية العمال التونسيين المزرية، وانحاز إلى حركة النقابي محمد علي الحامي الذي عاد إلى تونس من ألمانيا سنة 1924، وطاف معه البلاد لتوعية التونسيين والعمال بحقوقهم فأشعلاها ثورة عمالية مع عملة الرصيف بتونس العاصمة وعملة المناجم بالرديف والمتلوي والمضيلة وأم العرائس، وكونا معا جامعة عموم العملة التونسيين، وتسببا في قيام مظاهرات عنيفة قابلها اضطهاد المستعمر ورد فعل قوي.
وقد سجل كل هذه الوقائع والأحداث وتأسيس النقابة الوطنية الأولى في تاريخ تونس سنة 1924 في كتابه الذي أصدره سنة 1927 وعنوانه ” العمال التونسيين ” مثلما رأى ما كانت تعانيه النساء التونسيات من قهر وظلم واضطهاد مسلطة عليهن من الرجال، في تصور خاطئ لكيفية معاملة المرأة المسلمة، وفي رجعية جعلت من النساء مجرد منظفات للبيوت طابخات للأكل، منجبات للأطفال، دون تعليم ولا تربية، مع حجبهن في البيوت، وتطليقهن كلما شاء الرجل، بسبب وبغير سبب، إلى جانب تعدد الزوجات، بدون مبرر في ظل الجهل والفقر والمرض وكل أشكال التخلف.
فأصدر سنة 1930 كتابه الشهير ” إمرأتنا في الشريعة والمجتمع ” الذي أحدث رجة في صفوف المشايخ ورجال الدين وفي أوساط المتخلفين، مما حدا بأحد شيوخ جامع الزيتونة إلى أن يؤلف كتابا يهاجم فيه آراء الحداد وكتابه سماه ” الحداد على إمرأة الحداد ” وبذلك جعلوه كافرا واتهموه بالزندقة، وضربوه وهددوه بشتى أنواع العذاب، إلى أن توفي، رحمه الله، سنة 1935، تاركا كتابين من أهم الكتب الصادرة في تونس في النصف الأول من القرن العشرين .
هكذا نرى مدى عمق تفكير المصلح الطاهر الحداد الرجل في الإقتصاد وفي تسيير دولاب الحياة الإجتماعية انطلاقا من هذه الآراء التقدمية المقتبسة من أروبا بتأثير صاحبه محمد علي الحامي، أما في كتابه ” إمرأتنا في الشريعة والمجتمع ” فقد بين الحداد تقدمية الإسلام وحلل الآيات الكريمة ووضح أن الدين لا يخالف تعليم المرأة وتثقيفها ومشاركتها الرجل أعباء الحياة ومنها الإضطلاع بالشغل داخل البيت وخارجه، ودعا إلى تحريم ” تعدد الزوجات ” وفسر مضاره، كما تحدث عن سلاح الطلاق الذي كان سيفا مسلطا على المرأة، إلى غير ذلك من الآراء التي تبناها الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة في الأشهر الأولى من حصول تونس على الإستقلال، فأصدر في 13 أوت 1956 مجلة الأحوال الشخصية تحريرا للمرأة من عبودية الرجل، وزادها تنقيحا وتقدما وأضاف إليها الزي بورقيبة حقوقا أخرى للمرأة في كثير المناسبات ، وفي كثير من الفصول التي أصبحت بمقتضاها المرأة شريكا فاعلا للرجل في الحياة والعمل والمجتمع .
كما حلل الطاهر الحداد في كتابه كيفية تثقيف الفتاة لتكون زوجا فأما، بثقافة منزلية وأخرى عقلية وثالثة صناعية ورابعة زوجية، وخامسة صحية ” حتى تحتاط فيما تقدمه لأطفالها من مأكل ومشرب وملبس وتعرف كيف تعالج فيهم الإنحرافات البسيطة.
وبكلّ إيجاز هذا هو المصلح الكبير الطاهر الحداد، أحد زعماء الحركة الإصلاحية الإجتماعية في بلادنا، في الثلث الأول من القرن العشرين، نصير العمال والمرأة والمحب لتونس في زمن الإستعمار والإضطهاد والقهر والرجعية رحم الله هذا الزعيم الكبير وأسكنه فراديس جنانه وإنّ لله وإنّ إليه راجعون .

مؤلف كتاب ملحمة النضال التونسي

Facebook Comments

عن هاجر عبيدي

شاهد أيضاً

عودة مسلسل الخطاب على الباب بعد غياب دام أكثر من 20 سنة

أكد الفنان رؤوف بن عمر أن فكرة تصوير الجزء الثالث من أحد أشهر المسلسلات التونسية ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *