free statistics ملحمة النضال التونسي خفايا و أسرار العلاقة بين الزعيم الحبيب بورقيبة و المناضلة وسيلة بن عمّار – شبكة المدار نيوز
الجمعة , 20 يناير 2017
الرئيسية / الثقافية / ملحمة النضال التونسي خفايا و أسرار العلاقة بين الزعيم الحبيب بورقيبة و المناضلة وسيلة بن عمّار

ملحمة النضال التونسي خفايا و أسرار العلاقة بين الزعيم الحبيب بورقيبة و المناضلة وسيلة بن عمّار

بقلم المنصف بن فرج مؤلف كتاب ملحمة النضال التونسي

وسيلة بن عمار أو وسيلة بورقيبة امرأة من عائلة عريقة لعبت أدوارا خفية وأخرى علنية في تاريخ تونس المعاصر وكان لها تأثير مباشر في سياسة البلاد التونسية وخاصة منذ بداية الستينات عند زواجها من الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة إلى بداية الثمانينات اثر طلاقها من بورقيبة .
كيف تعرف بورقبية على وسيلة بن عمار
تقابل بورقيبة مع وسيلة في سنة 1927 بمنزل أحد أقاربها بحمام الأنف وهي لم تبلغ بعد خمسة عشرة سنة حيث كانت تعاني من آثار مرض السل الذي أصابها منذ أن بلغت 12 سنة، وعندما حاولت التخفي عندما رآها لأول مرة قال لها : ” إن النساء لا يحتجبن عن الزعيم، كما لا يحتجبن عن الطيب ” وكانت تلك اللحظة بداية لعلاقة تطورت مع الأيام وخاصة عندما رجع الزعيم إلى تونس في 12 أفريل 1943 أي خلال الحرب العالمية الثانية بعد إطلاق سراحه من طرف الألمان عن طريق حكومة الجنرال ” ليتان” بفرنسا .
أما اللقاء الثاني بينهما فقد تم بمنزل بحمام الأنف يملكه إحدى أقارب وسيلة التي شفيت تماما من مرضها وأصبحت فتاة جميلة مليئة حيوية ونشاط، ومنذ ذلك الوقت توطدت العلاقة والمودة بينهما وكان بورقيبة يتردد على منزل العائلة باستمرار ويتقابل معها على انفراد.
وكان من نتائج تلك العلاقة أن تنامى الشعور الوطني لدى وسيلة بن عمار فشاركت في الإجتماعات والمظاهرات واللقاءات التي ينظمها الحزب الحر الدستوري في ذلك الوقت وقد قادت مظاهرة كبيرة بمدينة باجة سنة 1952 وتم ايقافها من طرف المستعمر الفرنسي رفقة بعض المتظاهرين.
ولم تنقطع الصلة بينها وبين بورقيبة حتى عندما يكون هذا الأخير في السجن أو في المنفى أو في مهمات خارج البلاد فقد كانت تراسله أحيانا وتتصل به وتشجعه وتمده بكل المعلومات والأخبار عن الأحوال السياسية في تونس . وللتذكير فإن السيدة وسيلة كانت قد تزوجت من الدكتور علي الشاذلي قبل زواجها من الزعيم واعتنت بضيعتها بعين غلال قرب بنزرت إلى جانب انشغالها بالعمل السياسي .
زواج وسيلة بن عمار من بورقيبة :
عبر بورقيبة لها ولبعض المقربين منه ومنها على نيته بالزواج بها في عديدة مناسبات أي منذ بداية الإستقلال لكن عائلة وسيلة رفضت ذلك، و تدخل عدد من الوزراء الموفودين من طرف بورقيبة ومنهم حسان بلخوجة ومحمد المصمودي والطيب المهيري والبشير زرق العيون ولكن بدون جدوى، وعلى إثر حوادث بنزرت في سنة 1961 وتطور العلاقة بين تونس وفرنسا كلف بورقيبة المرحوم الباهي الأدغم بتبليغ رسالة إلى عائلة وسيلة يذكر فيها أنه بعد الأحداث التي وقعت ببنزرت وما قام به الجيش الفرنسي من أعمال فضيعة لم يعد يستطيع العيش إلا مع امرأة تونسية، وقد استغل بورقيبة ذلك الظرف السياسي ليحقق للشعب أمنية الجلاء ولشخصه الزواج من وسيلة بن عمار .
طلق بورقيبة زوجته الأولى ” ماتيلد ” أو “مفيدة” في يوم 21 جوان 1961 هي المرأة التي وقفت إلى جانبه في أيام المحنة وقامت بأدوار جليلة وتضحيات كبيرة لفائدة تونس وأنجب منها الأستاذ ” الحبيب بورقيبة الإبن ” الذي تحمل عديد المسؤوليات في الدولة والحزب بعد الإستقلال .
ومن جهتها فقد تم الطلاق بين وسيلة وزوجها السابق وأقيم حفل الزفاف بين بورقيبة ووسيلة في يوم 12 أفريل 1962 ببلدية المرسى والتي كان يرأسها المناضل الطيب المهيري. ومنذ ذلك التاريخ أصبحت تسمى “وسيلة بورقيبة” أو “الماجدة”، وحسب المقربين منها فإنها كانت تريد هذه الزيجة وقد تحققت أحلامها، أمنيات امرأة ساهمت في الحركة النضالية وهي التي تريد أن تدخل السياسة من بابها الكبير.
العصر الذهبي لوسيلة بورقيبة أو “الماجدة” :
عملت وسيلة بورقيبة في بداية عهدها على إدخال بعض التحسينات على قصر قرطاج حتى يكون في مستوى المناسبات الكبرى الرسمية والعادية وعملت على أن تظهر مظهر المرأة الأولى في تونس .
و في البداية لم تباشر العمل السياسي فبقيت وفية لنشاطها الفلاحي بضيعتها بعين غلال وعملت على تعصيرها وتنميتها ثم شرعت في تبني بعض المشاريع الإجتماعية كمشروع ” الرضيع” و”أطفال بورقيبة” إلى جانب مساهمتها في عديد البرامج الإجتماعية والنسائية .
ربطت وسيلة بورقيبة علاقات متينة مع بعض رجال السياسة وخاصة المؤثرين في الساحة السياسية وقد وجدت ضالتها في المرحوم الطيب المهيري الذي كان وزيرا للداخلية ورئيسا لبلدية المرسى وصديقا لعائلتها بحكم الجوار في السكن . وقد استمدت منه معرفتها الدقيقة برجال الحزب والدولة والإطلاع الدقيق على علاقات تونس بجيرانها وخاصة الجزائر ، وقد وجد “البلدية” من العاصمة وضواحيها في وسيلة سندا لهم لتمرير بعض المسائل التي كان يرفضها بورقيبة تحت تأثير المحيطين به من “أبناء الساحل” .
ومنذ ذلك التاريخ بدأ عامة التونسيين وخاصة قدماء المناضلين من بين الذين لم يتحمسوا لزواج بورقيبة يشعرون بمكانة وسيلة في الدولة وسير دواليبها وفي القرارات والتعيينات والتسميات والترقيات .
كما أسلفنا كانت علاقتها مع عدد من المناضلين القدامى من بين المسؤولين في الحزب والدولة فاترة وقد عبر بعضهم عن ذلك علنا مما أدى إلى اقالتهم أو إبعادهم أحيانا عن مراكز القيادة والنفوذ . وكانت هذه العلاقة متوترة مع عائلة بورقيبة وكذلك فيما بعد مع من تعاقبوا على مسؤولية الوزارة الأولى .
وأصبحت تستقبل كل الذين يدخلون القصر لمقابلة الرئيس، تزودهم بنصائحها وتعطيهم أوامرها حتى إذا ما تمت المقابلة من بعد مع الرئيس تكون قد مررت أفكارها ونواياها حتى أن بعض الساسة يقولون : ” صحيحا أن الوزير الأول يقود البلاد في تونس لكن تونس لها كذلك نائب للرئيس والمقصود به وسيلة ” .
مرض بورقيبة و تصاعد نفوذ وسيلة وطرح موضوع الخلافة :
خلال سنة 1969 تعرض بورقيبة إلى جلطة قلبية فكانت بداية الصراع على خلافته وكانت لفشل تجربة التعاضد وما خلفته من صعوبات اقتصادية وسياسية وفرار بن صالح إلى الجزائر آثارا واضحة على صحته ومكانة بورقيبة ، ونتيجة لذلك عرفت الدولة والحزب الإشتراكي الدستوري أزمة داخلية ظهرت جلية في مؤتمر المنستير سنة 1969 حيث حاول بعض الأعضاء البارزين في الحزب وخاصة من المنتمين إلى بلدية المرسى وبدعم من وسيلة الحصول على أغلبية في مؤتمر الحزب قصد تدعيم مكانتهم في الدولة على حساب “السواحلية” . وتدخل بورقيبة قصد إعادة الأمور إلى نصابها ولم تعد له ثقة كاملة في المرحوم الباهي الأدغم الذي تم تكليفه آنذاك بمهمة وساطة بين الأردن والفلسطينيين من طرف الجامعة العربية وتم تعويضه بالمرحوم الهادي نويرة في 2 نوفمبر 1970 وكانت من أولويات حكومته الخروج بالبلاد من الأزمة الإقتصادية والسياسية التي كانت تتخبط فيها .
وكانت وسيلة تتعامل مع الهادي نويرة بحذر وجفاء ولذلك سعت لتقوية جانبها بتسمية بعض المقربين منها في مناصب هامة ومنهم الطاهر بلخوجة الذي كلف بوزارة الداخلية، غير أن وسيلة لم تدخل في مواجهة مباشرة مع الهادي نويرة في بداية مسؤولياته على رأس الوزارة الأولى بل العكس هو الذي حصل حيث جمعتهما الأحداث في موضوع الوحدة مع ليبيا، حيث تم ترتيب لقاء بين الزعيم بورقيبة والقائد معمر القذافي بجزيرة جربة في جانفي 1974 تم أثناءه إصدار بيان مشترك يعلن عن مشروع قيام وحدة بين البلدين تحت اسم الجمهورية العربية الإسلامية برئاسة بورقيبة وينوبه القذافي مع اقتراح أسماء أعضاء حكومة مشروع الوحدة .
خلال تلك المدة وان نويرة في زيارة رسمية إلى إيران بينما كانت وسيلة في رحلة خاصة إلى الكويت ولما بلغها الخبر هتفت إلى الهادي نويرة تحثه للرجوع في أقرب وقت إلى تونس لافشال هذه الوحدة وخاطبت الرئيس هواري بومدين تطلب منه الضغط على بورقيبة حتى يتراجع عن موقفه . وبعد محاولات وضغوطات عدل بورقيبة عن الوحدة وأقال محمد المصمودي من وزارة الخارجية من منصبه على خلفية أنه المخطط الرئيسي لذلك المشروع .
وبذلك تكون وسيلة قد تعاونت مع الهادي نويرة لافشال الوحدة وإبعاد المصمودي عن وزارة الخارجية، غير أن فترة التقارب لم تعمر طويلا ووجدت وسيلة نفسها في مواجهة للهادي نويرة وذلك خلال أحداث 26 جانفي 1976 وأحداث 25 جانفي 1978 والتحالفات السياسية المختلفة :
بدأت علاقة وسيلة بالهادي نويرة تفتر مقابل تدعم العلاقة بوزارة الداخلية التي يديرها الطاهر بلخوجة وبعض الوزراء الآخرين وخاصة من أصيلي العاصمة وضواحيها وقد وجدت هذه المجموعة تقاربا من الإتحاد العام التونسي للشغل وعلى رأسهم الحبيب عاشور التي ساءت علاقته بالهادي نويرة بسبب مطالب نقابية رأتها الحكومة تعجيزية وترمي لافشالها، مما أدى إلى حوادث 25 جانفي 1978 والتي أصيب بعدها الهادي نويرة بالفالح وأصبح غير قادر على تحمل المسؤولية فخلفه محمد مزالي باشارة ونصيحة من وسيلة في حين أن بورقيبة كان ينوي تعيين محمد الصياح .
غير أن تلك العلاقة لم تعمر طويلا وعلى إثر الإضطرابات “أحداث الخبز” سعت وسيلة لابعاد الوزير الأول وتقريب وزير الداخلية آنذاك . وكانت صحة الزعيم بورقيبة قد ازدادت تدهورا وازداد التكالب على الخلافة حدة إلى جانب تصاعد المعارضين من الماركسيين الإسلاميين والقوميين وبدأت بوادر الخلاف بين بورقيبة ووسيلة تظهر جلية للعيان فتكررت زياراتها الى المناضل البشير زرق العيون قصد التدخل لصالحها لدى بورقيبة الذي يتناول معه فطور الغداء مرة في الأسبوع .
الخلاف بين وسيلة وبورقيبة والقطيعة :
بدأت بوادر الخلاف بين بورقيبة ووسيلة اثر نشر مجلة “جون أفريك” حديثا لها سنة 1982 تعرضت فيه إلى مسألة الرئاسة مدى الحياة والتي أكدت على ضرورة احترام الدستور فيما يخص الخلافة وأن تونس قد تغيرت وأن الشعب سوف لن يحترم بورقيبة المنتخب مباشرة من الشعب كما يحترم بورقيبة الذي لم يقع انتخابه فعلا من الشعب وفي نظرها فان الرئاسة مدى الحياة طعنة في الخفاء لبورقيبة .
وقد أثار ذلك التصريح حفيظة بورقيبة وبعض المحيطين به أثرا وخاصة عندما قابلها في المصحة التي كانت تعالج بها بالخارج حيث أطلعها على حديثها بالمجلة المذكورة وأمرها بأن لا تتدخل مستقبلا بقصر قرطاج ولم تجاوبه بأي كلمة ولكنها وبالرغم من ذلك رجعت إلى قصر قرطاج لتستأذن في السفر إلى الولايات المتحدة للعلاج وكانت تلك آخر مرة يلتقيان فيها .
إن وسيلة لم تعلم بطلاقها من بورقيبة إلا عن طريق سفير تونس بالولايات المتحدة في شهر أوت سنة 1986 فغادرت السفارة في حينها فنزلت ظيفة عند أحد أحفادها . وقامت بجولة بعد ذلك في دول الخليج ثم الجزائر وأخيرا باريس لاتمام علاجها . وبقيت على صلة بعديد الشخصيات من داخل البلاد وخارجها وخاصة بعض قادة دول الخليج منها السعودية و الجزائر وليبيا وأبرز القادة الفلسطنيين وفي طليعتهم الزعيم الرمز ياسر عرفات حيث كان لها دور كبير في استقدامهم إلى تونس بعد خروجهم من لبنان سنة 1982 . أما في الداخل فقد ربطتها علاقات متينة مع أهم رموز النظام وقيادات المنظمات الوطنية .
وإثر طلاقها صدرت ضدها عدة مقالات منها مجلة “جون أفريك” التي اتهمتها باسغلال النفوذ وبتحويل الأموال خارج الوطن … ومن جهتها قامت بدعوى قضائية ضد المجلة المذكورة وربحت القضية . وفي آخر أيام حياته بعث لها بورقيبة رسالة يعتذر لها على طلاقها فقبلت قائلة : ” إنه لم يفعل معي أي عمل سيئ طوال هذه المدة ” .
توفيت وسيلة بن عمار في شهر جوان سنة 1999 عن سن تناهز 87 عاما وشيعت في جنازة كبيرة حضرها عديد الشخصيات التونسية والأجنبية ووجهت لعائلتها تعازي من قادة وشخصيات عالمية .

Facebook Comments

عن Lobna Mahmoudi

شاهد أيضاً

فيديو/بمناسبة مباراة تونس والجزائر:كلاش بين “ميقالو” و “دوبل كانو” يُلهب مواقع التواصل الاجتماعي

في الفقرة الطريفة التي يقدمها الممثل الساخر الحبيب ميقالو في برنامج “التاسعة CAN” على قناة ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *